ثم قال :﴿ وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ يعني لو نزل الملك على أشباه الآدميين لا يزول عنهم الاشتباه.
والتلبس وروى بعضهم عن ابن عامر أنه قرأ :﴿ مَّا يَلْبِسُونَ ﴾ بنصب الباء يعني : جعلنا عليه من الثياب ما يلبسونه على أنفسهم.
ظنوا أنه آدمي.
والقراءة المعروفة : بالكسر.
يقال : لبس يلبس إذا لبس الثوب.
ولبس يلبس : إذا خلط الأمر.
وقال القتبي :﴿ وَلَلَبَسْنَا ﴾ يعني : أضللناهم بما ضلوا به من قبل أن يبعث الملك. أ هـ ﴿بحر العلوم حـ ١ صـ ﴾
وقال أبو حيان :
﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً ﴾ أي ولجعلنا الرسول ملكاً، كما اقترحوا، لأنهم كانوا يقولون : لولا أنزل على محمد ملك، وتارة يقولون : ما هذا إلا بشر مثلكم ولو شاء ربنا لأنزل ملائكة، ومعنى ﴿ لجعلناه رجلاً ﴾ أي لصيرناه في صورة رجل، كما كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ في غالب الأحوال في صورة دحية، وتارة ظهر له وللصحابة في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه أحد من الصحابة، وفي الحديث :" وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً "، وكما تصوّر جبريل لمريم بشراً سوياً والملائكة أضياف إبراهيم وأضياف لوط ومتسوّر والمحراب، فإنهم ظهروا بصورة البشر وإنما كان يكون بصورة رجل، لأن الناس لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد، ويؤيده هلاك الذي سمع صوت ملك في السحاب يقول : أقدم حيزوم فمات لسماع صوته فكيف لو رآه في خلقته.
قال ابن عطية : ولا يعارض هذا برؤية النبي ﷺ لجبريل وغيره في صورهم، لأنه عليه السلام أعطى قوة يعني غير قوى البشر وجاء بلفظ رجل ردًّا على المخاطبين بهذا، إذ كانوا يزعمون أن الملائكة إناث.


الصفحة التالية
Icon