ووجه شيخ الإسلام عدم جعل الضمير الأول للملك المذكور قبل "بأن يعكس ترتيب المفعولين ويقال : ولو جعلناه نذيراً لجعلناه رجلاً مع فهم المراد منه أيضاً بأنه لتحقيق أن مناط إبراز الجعل الأول في معرض الفرض والتقدير ومدار استلزامه للثاني إنما هو ملكية النذير لا نذيرية الملك، وذلك لأن الجعل حقه أن يكون مفعوله الأول مبتدأ والثاني خبراً لكونه بمعنى التصيير المنقول من صار الداخل على المبتدأ والخبر، ولا ريب في أن مصب الفائدة ومدار اللزوم بين طرفي الشرطية هو محمول المقدم لا موضوعه فحيث كانت "لو" امتناعية أريد بيان انتفاء الجعل الأول لاستلزامه المحذور الذي هو الجعل الثاني وجب أن يجعل مدار الاستلزام في الأول مفعولاً ثانياً لا محالة ولذلك جعل مقابله في الجعل الثاني كذلك إبرازاً لكمال التنافي بينهما الموجب لانتفاء الملزوم" ولا يخلو عن حسن.
وجوز غير واحد كون قوله تعالى :﴿ وَلَوْ جعلناه ﴾ الخ جواب اقتراح ثان، وذلك أن للكفرة اقتراحين، أحدهما : أن ينزل على الرسول ﷺ ملك في صورته الأصلية بحيث يعاينه القوم ؛ والآخر أن ينزل إلى القوم ويرسل إليهم مكان الرسول البشر ملك فانهم كما كانوا يقولون : لولا أنزل على محمد ﷺ ملك فيكون معه نذيراً كانوا يقولون :﴿ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة ﴾ [ المؤمنون : ٢٤ ] فأجيبوا عن قولهم الأول بقوله سبحانه وتعالى :﴿ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً ﴾ [ الأنعام : ٨ ] الخ وعن قولهم الأخير بما ذكر فضمير ﴿ جعلناه ﴾ للرسول المنزل إلى القوم، ولا يخفى أن جعله جواباً عن اقتراح آخر غير ظاهر من النظم الكريم ولا داعي إليه أصلاً.
وبعضهم جعله جواباً آخر وجعل الضمير للمطلوب.


الصفحة التالية
Icon