وقال الماوردى :
قوله تعالى :﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي أوجبها ربكم على نفسه، وفيها أربعة أوجه :
أحدها : أنها تعريض خلقه لما أمرهم به من عبادته التي تفضي بهم إلى جنته.
والثاني : ما أراهم من الآيات الدالة على وجوب طاعته.
والثالث : إمهالهم عن معالجة العذاب واستئصالهم بالانتقام.
والرابع : قبوله توبة العاصي والعفو عن عقوبته. أ هـ ﴿النكت والعيون حـ ٢ صـ ﴾
وقال ابن عطية :
قال بعض أهل التأويل : في الكلام حذف تقديره :﴿ قل لمن ما في السماوات والأرض ﴾ ؟ فإذا تحيروا ولم يجيبوا، قل لله، وقالت فرقة : المعنى أنه أمر بهذا السؤال فكأنهم لما لم يجيبوا ولا تيقنوا سألوا فقيل له : قل لله، والصحيح أن الله عز وجل أمر محمداً عليه السلام بقطعهم بهذه الحجة الساطعة والبرهان القطعي الذي لا مدافعة فيه عندهم ولا عند أحد، ليعتقد هذا المعتقد الذي بينه وبينهم ثم يتركب احتجاجه عليه، جاء ذلك بلفظ استفهام وتقرير في قوله :﴿ لمن ما في السماوات والأرض ﴾ والوجه في الحجة، كما تقول لمن تريد غلبته بآية تحتج بها عليه، كيف قال الله في كذا؟ ثم تسبقه أنت إلى الآية فتنصها عليه، فكأن النبي ﷺ قال لهم : يا أيها الكافرون العادلون بربهم ﴿ لمن ما في السماوات والأرض ﴾ ؟ ثم سبقهم فقال :﴿ لله ﴾، أي لا مدافعة في هذا عندكم ولا عند أحد، ثم ابتدأ يخبر عنه تعالى :﴿ كتب على نفسه الرحمة ﴾ معناه قضاها وأنفذها. وفي هذا المعنى أحاديث عن النبي عليه السلام تتمضن كتب الرحمة، ومعلوم من غير ما موضع من الشريعة أن ذلك للمؤمنين في الآخرة ولجميع الناس في الدنيا، منها أن الله تعالى خلق مائة رحمه فوضع منها واحدة في الأرض فيها تتعاطف البهائم وترفع الفرس رجلها لئلا تطأ ولدها. وبها تتعاطف الطير والحيتان، وعنده تسع وتسعون رحمة، فإذا كان يوم القيامة صير تلك الرحمة مع التسعة والتسعين وبثها في عباده.