وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن النبي ﷺ هل بعث إلى الجن - ومن خطه نقلتُ : الكتاب والسنة ناطقان بذلك، والإجماع قائم عليه، لا خلاف بين المسلمين فيه ؛ ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن عبد البر في التمهيد وأبي محمد بن حزم في كتاب الفِصَل وغيرهم ثم قال : أما الكتاب فآيات إحداها ﴿لأنذركم به ومن بلغ﴾ قال محمد بن كعب القرظي : من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ، وقال ابن عباس - فذكره، وقال السدي : من بلغ القرآن فهو له نذير، وقال ابن زيد : من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره.
وهذه كلها أقوال متفقة المعنى، وقد أمر نبيه ﷺ أن يقول هذا الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه، ولم يخص إنساً ولا جناً من أهل التكليف، ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى.
وسيأتي مما ذكر من الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة عليهم السلام، فالمعنى : فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح، ومن كذب فليأت بسورة من مثله، ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب، وهو شهادة الله لي بالصدق، ولأجل أن الله هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي ﷺ، بل استمرت على مرّ الأيام وكرّ الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب النقص وسمات الحدث، وإلى ذلك الإشارة بقول النبي ﷺ " ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة " أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه.


الصفحة التالية
Icon