وأما آية يونس فتقدم قبلها قوله تعالى :"وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله " إلى آخر الآية ولا أظلم ممن قال من فصحاء العرب العالمين بمقاطع الكلام وجليل النظم وعلى البلاغة :"ائت بقرآن غير هذا " أو بدله مع علمهم بعلى فصاحته واعترافهم بالعجز عنه فجمعوا بين إنكار ما علموا صدقه ممن عرفوا على حاله وجليل منصبه فإخباره تعالى عنهم بقوله :"فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون " فجمعوا بين الانكار وبين وقولهم فى إنكارهم "أو بدله " فلا أظلم من هؤلاء ثم فى إنكارهم وقولهم "أو بدله " أعظم إقدام وأوضح إجرام لأنه كفر على علم فلهذا أعقبت الأية هنا بقوله :"إنه لا يفلح المجرمون " ولم يقع قبل التى فى سورة الأنعام وقبل آية الأعراف مثل هذا الاقدام على مثل هذه الجريمة فى القول وإنما تقدم عداوتهم زظلمهم أنفسهم فى مرتكباتهم وتعاميهم فناسبه قوله :"إنه لا يفلح الظالمون " وأما آية العنكبوت وآية الصف فجوابهما بين مما تقدم.
وجواب ثان : وهو أنه قد تقدم مما به الاعتبار فى الأولى من آيتى الانعام وآية يونس ما فيه كفاء وإن تنوع فقد جنعه جامع الاعتبار وفى كل شفاء لمن وفق للاعتبار به فمن عدل عنه فظالم إلا أن الاجترام يبنى على أشد من الظلم وإن كان قد أجرى مع الظلم عدم الفلاح إلا أن الجرم أنبأ بالشدة وأخص بالاشعار بشناعة المرتكب وتقدم أن ترتيب السور والآى مراعى وعظيم الموقع وأنه لا يعارضه ترتيب النزول فإذا تقرر هذا فنقول : قدم وصفهم بالظلم ثم تكرر ذلك ممن افترى أو كذب وقد وصف أولا بالظلم فوصف ثانيا بالاجترام ترقيا فى الشر كما يترقى فى الخير وأيضا ليناسب ما وقع فى يونس متقدما من قوله :"وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين ".