والمروي عن الحسن أن ﴿ مَا ﴾ موصولة والمراد بها الأصنام التي كانوا يعبدونها ويقولون فيها :﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ [ يونس : ١٨ ] أو نحو ذلك.
وإيقاع الافتراء عليها مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها للمبالغة في أمرها كأنها نفس المفتري أي زالت وذهبت عنهم أوثانهم التي يفترون فيها ما يفترون فلم تغن عنهم من الله شيئاً، وقيل : إن ﴿ مَا ﴾ مصدرية أي ضل افترائهم كقوله سبحانه :﴿ ضَلَّ سَعْيُهُمْ ﴾ [ الكهف : ١٠٤ ] أي لم ينفعهم ذلك.
والجملة قيل : مستأنفة، وقيل : واختاره شيخ الإسلام إنها عطف على ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ داخل معه في حكم التعجب إذ الاستفهام السابق المعلق لأنظر لذلك.
وجعل المعنى على احتمال الموصول والمصدرية أنظر كيف كذبوا باليمين الفاجرة المغلظة على أنفسهم بإنكار صدور ما صدر عنهم وكيف ضل عنهم أي زال وذهب افتراؤهم أو ما كانوا يفترونه من الإشراك حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية وتبرؤوا ( منه ) بالمرة. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٧ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
وقوله :﴿ انظر كيف كذبوا على أنفسهم ﴾ جعل حالهم المتحدّث عنه بمنزلة المشاهد، لصدوره عمّن لا خلاف في أخباره، فلذلك أمر سامعه أو أمر الرسول ﷺ بما يدلّ على النظر إليه كأنّه مشاهد حاضر.
والأظهر أنّ ﴿ كيف ﴾ لمجرّد الحال غير دالّ على الاستفهام.
والنظر إلى الحالة هو النظر إلى أصحابها حين تكيّفهم بها.
وقد تقدّمت له نظائر منها قوله تعالى :﴿ انظر كيف يفترون على الله الكذب ﴾ في سورة [ النساء : ٥٠ ].
وجعل كثير من المفسّرين النظر هنا نظراً قلبياً فإنّه يجيء كما يجيء فعل الرؤية فيكون معلّقاً عن العمل بالاستفهام، أي تأمّل جواب قول القائل : كيف يفترون على الله الكذب تجده جواباً واضحاً بيّناً.
ولأجل هذا التحقّق من خبر حشرهم عبّر عن كذبهم الذي يحصل يوم الحشر بصيغة الماضي في قوله : كذبوا على أنفسهم }.
وكذلك قوله ﴿ وضلّ عنهم ما كانوا يفترون ﴾.
وفعل ( كذب ) يعدّى بحرف ( على ) إلى من يخبّر عنه الكاذب كذباً مثل تعديته في هذه الآية، وقول النبي ﷺ ﴿ من كذب عليّ معتمداً فليتبوّأ مقعده من النار ﴾، وأمّا تعديته إلى من يخبره الكاذب خبراً كذباً فبنفسه، يقال : كذبك، إذا أخبرك بكذب.
وضلّ بمعنى غاب كقوله تعالى :﴿ ضلَلْنا في الأرض ﴾ [ السجدة : ١٠ ]، أي غيّبنا فيها بالدفن.
و﴿ ما ﴾ موصولة و﴿ يفترون ﴾ صلتها، والعائد محذوف، أي يختلقونه وماصْدق ذلك هو شركاؤهم.
والمراد : غيبة شفاعتهم ونصرهم لأنّ ذلك هو المأمول منهم فلمّا لم يظهر شيء من ذلك نُزّل حضورهم منزلة الغيبة، كما يقال : أُخِذتَ وغاب نصيرك، وهو حاضر. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٦ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon