وأما السعادات الروحانية فإنها سعادات شريفة عالية باقية مقدسة، ولذلك فإن جميع الخلق إذا تخيلوا في الإنسان كثرة العلم وشدة الانقباض عن اللذات الجسمانية، فإنهم بالطبع يعظمونه ويخدمونه ويعدون أنفسهم عبيداً لذلك الإنسان وأشقياء بالنسبة إليه، وذلك يدل على شهادة الفطرة الأصلية بخساسة اللذات الجسمانية، وكمال مرتبة اللذات الروحانية.
الوجه الثاني : في بيان أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا، وهو أن نقول : هب أن هذين النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة، إلا أن الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد القيامة معلوم قطعاً.
وأما الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد الدنيا فغير معلوم بل ولا مظنون، فكم من سلطان قاهر في بكرة اليوم صار تحت التراب في آخر ذلك اليوم، وكم من أمير كبير أصبح في الملك والإمارة، ثم أمسى أسيراً حقيراً، وهذا التفاوت أيضاً يوجب المباينة بين النوعين.
الوجه الثالث : هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يوماً آخر في الدنيا، إلا أنه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطيبات واللذات أم لا ؟ أما كل ما جمعه من موجبات السعادات، فإنه يعلم قطعاً أنه ينتفع به في الدار الآخرة.
الوجه الرابع : هب أنه ينتفع بها إلا أن انتفاعه بخيرات الدنيا لا يكون خالياً عن شوائب المكروهات، وممازجة المحرمات المخوفات.
ولذلك قيل : من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق.
فقيل : وما هو يا رسول الله ؟ قال :" سرور يوم بتمامه ".
الوجه الخامس : هب أنه ينتفع بتلك الأموال والطيبات في الغد، إلا أن تلك المنافع منقرضة ذاهبة باطلة، وكلما كانت تلك المنافع أقوى وألذ وأكمل وأفضل كانت الأحزان الحاصلة عند انقراضها وانقضائها أقوى وأكمل كما قال الشاعر المتنبي :
أشد الغم عندي في سرور.. تيقن عنه صاحبه انتقالا
فثبت بما ذكرنا أن سعادات الدنيا وخيراتها موصوفة بهذه العيوب العظيمة، والنقصانات الكاملة وسعادات الآخرة مبرأة عنها، فوجب القطع بأن الآخرة أكمل وأفضل وأبقى وأتقى وأحرى وأولى. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ١٦٥ ـ ١٦٧﴾