أما من كان مؤمناً بالبعث والقيامة فإنه لا يغتر بهذه السعادات الجسمانية ولا يكتفي بهذه الخيرات العاجلة بل يسعى في إعداد الزاد ليوم المعاد فلم يحصل له الخسران فثبت بما ذكرنا أن الذين كذبوا بلقاء الله وأنكروا البعث والقيامة قد خسروا خسراناً مبيناً وأنهم عند الوصول إلى موقف القيامة يتحسرون على تفريطهم في تحصيل الزاد ليوم المعاد.
والنوع الثاني من وجوه : خسرانهم أنهم يحملون أوزارهم على ظهورهم.
وتقرير الكلام فيه أن كمال السعادة في الاقبال على الله تعالى والاشتغال بعبوديته والاجتهاد في حبه وخدمته وأيضاً في الانقطاع عن الدنيا وترك محبتها وفي قطع العلاقة بين القلب وبينها، فمن كان منكراً للبعث والقيامة، فإنه لا يسعى في إعداد الزاد لموقف القيامة، ولا يسعى في قطع العلاقة بين القلب وبين الدنيا، فإذا مات بقي كالغريب في عالم الروحانيات، وكالمنقطع عن أحبابه وأقاربه الذين كانوا في عالم الجسمانيات فيحصل له الحسرات العظيمة بسبب فقدان الزاد وعدم الاهتداء إلى المخالطة بأهل ذلك العالم ويحصل له الآلام العظيمة بسبب الانقطاع عن لذات هذا العالم والامتناع عن الاستسعاد بخيرات هذا العالم.
فالأول : هو المراد من قوله ﴿قَالُواْ ياحسرتنا على مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ والثاني : هو المراد من قوله ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ﴾ فهذا تقرير المقصود من هذه الآية. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٢ صـ ١٦٢ ـ ١٦٣﴾
فصل
قال الفخر :
المراد من الخسران فوت الثواب العظيم وحصول العقاب العظيم ﴿الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله﴾ المراد منه الذين أنكروا البعث والقيامة، وقد بالغنا في شرح هذه الكلمة عند قوله ﴿الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ﴾ [ البقرة : ٤٦ ] وإنما حسنت هذه الكناية أن موقف القيامة موقف لا حكم فيه لأحد إلا لله تعالى، ولا قدرة لأحد على النفع والضر والرفع والخفض إلا لله.