قوله تعالى ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء﴾
فصل
قال الفخر :
في المراد بالكتاب قولان :
القول الأول : المراد منه الكتاب المحفوظ في العرش وعالم السموات المشتمل على جميع أحوال المخلوقات على التفصيل التام، كما قال عليه السلام :" جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ".
والقول الثاني : أن المراد منه القرآن، وهذا أظهر لأن الألف واللام إذا دخلا على الاسم المفرد انصرف إلى المعهود السابق، والمعهود السابق من الكتاب عند المسلمين هو القرآن، فوجب أن يكون المراد من الكتاب في هذه الآية القرآن.
إذا ثبت هذا فلقائل أن يقول : كيف قال تعالى :﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء﴾ مع أنه ليس فيه تفاصيل علم الطب وتفاصيل علم الحساب، ولا تفاصيل كثير من المباحث والعلوم، وليس فيه أيضاً تفاصيل مذاهب الناس ودلائلهم في علم الأصول والفروع ؟
والجواب : أن قوله ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى الكتاب مِن شَىْء﴾ يجب أن يكون مخصوصاً ببيان الأشياء التي يجب معرفتها، والإحاطة بها وبيانه من وجهين : الأول : أن لفظ التفريط لا يستعمل نفياً وإثباتاً إلا فيما يجب أن يبين لأن أحداً لا ينسب إلى التفريط والتقصير في أن لا يفعل ما لا حاجة إليه، وإنما يذكر هذا اللفظ فيما إذا قصر فيما يحتاج إليه.
الثاني : أن جميع آيات القرآن أو الكثير منها دالة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام على أن المقصود من إنزال هذا الكتاب بيان الدين ومعرفة الله ومعرفة أحكام الله، وإذا كان هذا التقييد معلوماً من كل القرآن كان المطلق ههنا محمولاً على ذلك المقيد.
أما قوله إن هذا الكتاب غير مشتمل على جميع علوم الأصول والفروع.