وقال الآلوسى :
وقوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ ﴾ تسلية إثر تسلية لرسول الله ﷺ فإن عموم البلوى ربما يهونها بعض تهوين وفيه إرشاد له عليه الصلاة والسلام إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام في الصبر على الأذى وعدة ضمنية بمثل ما منحوه من النصر، وتصدير الكلام بالقسم لتأكيد التسلية، وتنوين ﴿ رُسُلُ ﴾ للتفخيم والتكثير، و( من ) متعلقة بكذبت، وجوز أن تتعلق بمحذوف وقع صفة لرسل، ورده أبو البقاء بأن الجثة لا توصف بالزمان، وفيه منع ظاهر، والمعنى تالله لقد كذبت من قبل تكذيبك رسل أولو شأن خطير وعدد كثير أو كذبت رسل كانوا من زمان قبل زمانك.
﴿ فَصَبَرُواْ على مَا كُذّبُواْ ﴾ ( ما ) مصدرية وقوله :﴿ وَأُوذُواْ ﴾ عطف على ﴿ كَذَّبُواْ ﴾ داخل في حكمه، ومصدر كذب التكذيب، "وآذى أذى وأذاة وأذية" كما في "القاموس" وإيذاء كما أثبته الراغب وغيره، وقول صاحب "القاموس" :"ولا تقل إيذاء" خطأ، والذي غرَّه ترك الجوهري وغيره له، وهو وسائر أهل اللغة لا يذكرون المصادر القياسية لعدم الاحتياج إلى ذكرها، والمصدران هنا من المبني للمفعول وهو ظاهر أي فصبروا على تكذيب قومهم لهم وإيذائهم إياهم فتأس بهم واصبر على ما نالك من قومك، والمراد بإيذائهم إما عين تكذيبهم أو ما يقارنه من فنون الإيذاء، واختاره الطبرسي ولم يصرح به ثقة باستلزام التكذيب إياه غالباً، وفيه تأكيد للتسلية، وجوز العطف على ﴿ كَذَّبَتْ ﴾ أو على ﴿ صَبَرُواْ ﴾ وجوز أبو البقاء أن يكون هذا استئنافاً ثم رجح الأول.
وقوله سبحانه :﴿ حتى أتاهم نَصْرُنَا ﴾ غاية للصبر، وفيه إيماء إلى وعد النصر للصابرين، وجوز أن يكون غاية للإيذاء وهو مبني على احتمال الاستئناف، والالتفات إلى نون العظمة للإشارة إلى الاعتناء بشأن النصر.


الصفحة التالية
Icon