وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ أي عظم عليك إعراضهم وتوليهم عن الإيمان.
﴿ فَإِن استطعت ﴾ قدرت ﴿ أَن تَبْتَغِيَ ﴾ تطلب ﴿ نَفَقاً فِي الأرض ﴾ أي سَرَباً تخلص منه إلى مكان آخر، ومنه النافِقاء لجحر الْيَرْبُوع، وقد تقدّم في "البقرة" بيانه، ومنه المنافق وقد تقدم.
﴿ أَوْ سُلَّماً ﴾ معطوف عليه، أي سبباً إلى السماء ؛ وهذا تمثيل لأن السّلم الذي يُرْتقى عليه سبب إلى الموضع، وهو مذكّر، ولا يُعرف ما حكاه الفرّاء من تأنيث السّلم.
قال قَتَادة : السلم الدَّرج.
الزجاج : وهو مشتق من السلامة كأنه يسلِمك إلى الموضع الذي تريد.
﴿ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ﴾ عطف عليه أي ليؤمنوا فافعل ؛ فأُضمِر الجواب لعلم السامع.
أمر الله نبيه ﷺ ألا يشتدّ حزنه عليهم إذا كانوا لا يؤمنون ؛ كما أنه لا يستطيع هداهم. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٦ صـ ﴾
وقال أبو حيان :
﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية ﴾ ﴿ كبر ﴾ أي عظم وشق إعراضهم عن الإيمان والتصديق بما جئت به، وهو ﷺ قد كبر عليه إعراضهم لكن جاء الشرط معتبراً فيه التبيين والظهور، وهو مستقبل، وعطف عليه الشرط الذي لم يقع، وهو قوله :﴿ فإن استطعت ﴾ وليس مقصوداً وحده بالجواب فمجموع الشرطين بتأويل الأول لم يقع بل المجموع مستقبل، وإن كان ظاهر أحدهما بانفراده واقع ونظيره ﴿ إن كان قميصه قد من قبل ﴾ ﴿ وإن كان قميصه قد من دبر ﴾ ومعلوم أنه قد وقع أحدهما، لكن المعنى أن يتبين ويظهر كونه قدّ من كذا وكذا يتأول ما يجيء من دخول أن الشرطية على صيغة كان على مذهب جمهور النحاة خلافاً لأبي العباس المبرد فإنه زعم إن أن إذا دخلت على كان بقيت على مضيها بلا تأويل والنفق السرب في داخل الأرض الذي يتوارى فيه.
وقرأ نبيج الغنوي أن تبتغي نافقاً في الأرض والنافقاء ممدود وهو أحد مخارج جحر اليربوع وذلك أن اليربوع يخرج من باطن الأرض إلى وجهها ويرق ما واجه الأرض ويجعل للحجر بابين أحدهما النافقاء والآخر القاصعاء، فإذا رابه أمر من أحدهما دفع ذلك الوجه الذي أرقه من أحدهما وخرج منه.
وقيل : لجحره ثلاثة أبواب، قال السدي : السلم المصعد.
وقال قتادة : الدرج.
وقال أبو عبيدة : السبب والمرقاة، تقول العرب : اتخذني سلماً لحاجتك أي سبباً.
ومنه قول كعب بن زهير :
ولا لكما منجى من الأرض فابغيا...
به نفقاً أو في السموات سلّما
وقال الزجاج : السلم من السلامة وهو الشيء الذي يسلمك إلى مصعدك، والسلم الذي يصعد عليه ويرتقى وهو مذكر.