أحدهما : ليكون إنعامه عليهم داعياً إلى إيمانهم. والثاني : ليكون استدراجاً وبلوى، وقد روى ابن لهيعة بإسناده عن عقبة ابن عامر أن النبي ﷺ قال :" إِذَا رَأَيْتَ اللَّه يعِطي العِبَادَ مَا يَشَاءُونَ عَلَى مَعَاصِيهِم إِيَّاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ مِنْهُ " ثم تلا :﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابِ كُلِّ شَيْءٍ ﴾.
﴿ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ ﴾ يعني من النِّعَمْ فلم يؤمنوا.
﴿ أَخَذَنَاهُم بَغْتَةً ﴾ يحتمل وجهين.
أحدهما : أنه تعجيل العذاب المُهْلِك جزاء لأمرين.
أحدهما : لكفرهم به.
والثاني : لكفرهم بنِعَمِهِ.
والوجه الثاني : هو سرعة الموت عند الغفلة عنه بالنِّعَمِ قَطْعاً للذة، وتعذيباً للحسرة.
ثم قال تعالى :﴿ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ ﴾ وفيه خمسة تأويلات :
أحدها : أن الإِبلاس : الإِياس قال عدي بن زيد :
ملك إذا حل العفاة ببابه... غبطوا وأنجح منهم المستبلس
يعني الآيس.
والثاني : أنه الحزن والندم.
والثالث : الخشوع.
والرابع : الخذلان.
والخامس : السكوت وانقطاع الحجة، ومنه قول العجاج :
يا صاح هل تعرف رسماً مكرساً... قال نعم أعرفه وأبلسا. أ هـ ﴿النكت والعيون حـ ٢ صـ ﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ ﴾ يُقال : لِم ذمّوا على النسيان وليس من فعلهم؟ فالجواب أنّ "نَسُوا" بمعنى تركوا ما ذكّروا به، عن ابن عباس وابن جُرَيْج، وهو قول أبي عليّ ؛ وذلك لأن التارك للشيء إعراضاً عنه قد صيره بمنزلة ما قد نسِي، كما يُقال : تركه.
في النِّسْي.
جواب آخر وهو أنهم تعرّضوا للنّسيان فجاز الذمّ لذلك ؛ كما جاز الذمّ على التعرّض لسخط الله عزّ وجلّ وعقابه.
ومعنى ﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ أي من النعم والخيرات، أي كثرنا لهم ذلك.