والحجة الثالثة : أنه تعالى قال في آخر الآية :﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ﴾ والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه لأنهم كانوا غائبين عنها وكانوا يكذبون إبراهيم فيها وما كان يجوز لهم تصديق إبراهيم في تلك الدعوى إلا بدليل منفصل ومعجزة باهرة، وإنما كانت الحجة التي أوردها إبراهيم على قومه في الاستدلال بالنجوم من الطريق الذي نطق به القرآن.
فإن تلك الأدلة كانت ظاهرة لهم كما أنها كانت ظاهرة لإبراهيم.
والحجة الرابعة : أن إراءة جميع العالم تفيد العلم الضروري بأن للعالم إلهاً قادراً على كل الممكنات.
ومثل هذه الحالة لا يحصل للإنسان بسببها استحقاق المدح والتعظيم.
ألا ترى أن الكفار في الآخرة يعرفون الله تعالى بالضرورة وليس لهم في تلك المعرفة مدح ولا ثواب.
وأما الاستدلال بصفات المخلوقات على وجود الصانع وقدرته وحكمته فذاك هو الذي يفيد المدح والتعظيم.
والحجة الخامسة : أنه تعالى كما قال في حق إبراهيم عليه السلام ﴿وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض﴾ فكذلك قال في حق هذه الأمة :﴿سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الأفاق وَفِى أَنفُسِهِمْ﴾ [ فصلت : ٥٣ ] فكما كانت هذه الإراءة بالبصيرة الباطنة لا بالبصر الظاهر فكذلك في حق إبراهيم لا يبعد أن يكون الأمر كذلك.
الحجة السادسة : أنه عليه السلام لما تمم الاستدلال بالنجم والقمر والشمس قال بعده :﴿إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض﴾ [ الأنعام : ٧٩ ] فحكم على السموات والأرض بكونها مخلوقة لأجل الدليل الذي ذكره في النجم والقمر والشمس.
وذلك الدليل لو لم يكن عاماً في كل السموات والأرض لكان الحكم العام بناء على دليل خاص وأنه خطأ، فثبت أن ذلك الدليل كان عاماً فكان ذكر النجم والقمر والشمس كالمثال لإراءة الملكوت.


الصفحة التالية
Icon