ومن المفسّرين من قال : إنّ كلامه ذلك كان نظراً واستدلالاً في نفسه لقوله :﴿ لئن لم يهدني ربِّي ﴾، فإنَّه يُشعر بأنّه في ضلال لأنَّه طلب هداية بصيغة الاستقبال أي لأجل أداة الشرط، وليس هذا بمتعيّن لأنَّه قد يقوله لتنبيه قومه إلى أنّ لهم ربَّا بيده الهداية، كما بيّنّاه في موضعه، فيكون كلامه مستعملاً في التعريض.
على أنَّه قد يكون أيضاً مراداً به الدوام على الهداية والزيادة فيها، على أنَّه قد يكون أراد الهداية إلى إقامة الحجّة حتَّى لا يتغلّب عليه قومه.
فإذا بنينا على أنّ ذلك كان استدلالاً في نفسه قبل الجزم بالتوحيد فإنّ ذلك كان بإلهام من الله تعالى، فيكون قوله :﴿ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ﴾ [ الأنعام : ٧٥ ] معناه نريه ما فيها من الدلائل على وجود الصانع ووحدانيته قبل أن نُوحي إليه، ويكون قوله :﴿ رأى كوكباً ﴾ بمعنى نظر في السماء فرأى هذا الكوكب ولم يكن نظر في ذلك من قبل، ويكون قوله :﴿ قال هذا ربِّي ﴾ قولاً في نفسه على نحو ما يتحدّث به المفكِّر في نفسه، وهو حديث النفس، كقول النابغة في كلب صيد :
قالتْ له النفس إنِّي لا أرى طمعاً
وإنّ مولاك لم يسلَمْ ولم يَصد...
وقول العَجّاج في ثور وحشي:
ثم انثنى وقال في التفكير...
إنّ الحياة اليوم في الكُرور
وقوله :﴿ هذا ربِّي ﴾ وقوله :﴿ لا أحبّ الآفلين، ﴾ وقوله :﴿ لئِن لم يهدني ربِّي ﴾ كلّ ذلك مستعمل في حقائقه من الاعتقاد الحقيقي.
وقوله :﴿ قال يا قوم ﴾ هو ابتداء خطابه لقومه بعد أن ظهر الحقّ له فأعلن بمخالفته قومه حينئذٍ. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٦ صـ ﴾