وقال ابن عاشور :
و﴿ تلك ﴾ إشارة إلى جميع ما تكلّم به إبراهيم في محاجَّة قومه، وأتي باسم إشارة المؤنّث لأنّ المشار إليه حجّة فأخبر عنه بحجّة فلمَّا لم يكن ثمَّة مشار إليه محسوس تعيّن أن يعتبر في الإشارة لفظ الخبر لا غير، كقوله تعالى :﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ [ البقرة : ٢٥٣ ].
وإضافة الحجّة إلى اسم الجلالة للتّنويه بشأنها وصحَّتها.
و﴿ آتيناها ﴾ في موضع الحال من اسم الإشارة أو من الخبر.
وحقيقة الإيتاء الإعطاء، فحقَّه أن يتعدّى إلى الذّوات، ويكون بمناولة اليد إلى اليد.
قال تعالى :﴿ وآتى المال على حبّه ذوي القربى ﴾ [ البقرة : ١٧٧ ]، ولذلك يقال : اليدُ العليا هي المعطية واليد السّفلى هي المعطاة.
ويستعمل مجازاً شائعاً في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتاً أم معانيَ.
يقال : آتاه الله مالاً، ويقال : آتاه الخليفة إمارة و﴿ آتاه الله المُلك ﴾ [ البقرة : ٢٥٨ ]، ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ [ ص : ٢٠ ].
فإيتاء الحجّة إلهامُه إيّاها وإلقاءُ ما يعبِّر عنها في نفسه.
وهو فضل من الله على إبراهيم إذ نصره على مناظريه.
و﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي، وهو تشبيه الغالب بالمستعلي المتمكّن من المغلوب، وهي متعلّقة ﴿ بحجّتنا ﴾ خلافاً لمن منعه.
يقال : هذا حجّة عليك وشاهد عليك، أي تلك حجّتنا على قومه أقحمناهم بها بواسطة إبراهيم، ويجوز أن يتعلَّق بـ ﴿ آتيناها ﴾ لمّا يتضمّنه الإيتاء من معنى النصر. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٦ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon