والوجه الثالث : أنه لما ثبت حدوث العالم، فنقول : حدوثه يدل على أن إله العالم قادر عالم حكيم، وأن الخلق كلهم عبيده وهو مالك لهم على الإطلاق، وملك لهم على الإطلاق، والملك المطاع يجب أن يكون له أمر ونهي وتكليف على عباده، وأن يكون له وعد على الطاعة، ووعيد على المعصية، وذلك لا يتم ولا يكمل إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، فكل من أنكر ذلك فقد طعن في كونه تعالى ملكاً مطاعاً، ومن اعتقد ذلك فهو ما قدر الله حق قدره، فثبت أن كل من قال ما أنزل الله علي بشر من شيء فهو ما قدر الله حق قدره. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٣ صـ ٦٠ ـ ٦١﴾
فصل
قال الفخر :
في هذه الآية بحث صعب، وهو أن يقال : هؤلاء الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا :﴿ما أَنزَلَ الله علَى بَشَرٍ مّن شَىْء﴾ إما أن يقال : إنهم كفار قريش أو يقال إنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، فإن كان الأول، فكيف يمكن إبطال قولهم بقوله تعالى :﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى﴾ وذلك لأن كفار قريش والبراهمة كما ينكرون رسالة محمد ﷺ فكذلك ينكرون رسالة سائر الأنبياء، فكيف يحسن إيراد هذا الإلزام عليهم، وأما إن كان الثاني وهو أن قائل هذا القول قوم من اليهود والنصارى، فهذا أيضاً صعب مشكل، لأنهم لا يقولون هذا القول، وكيف يقولونه مع أن مذهبهم أن التوراة كتاب أنزله الله على موسى، والإنجيل : كتاب أنزله الله على عيسى ؛ وأيضاً فهذه السورة مكية، والمناظرات التي وقعت بين رسول الله ﷺ، وبين اليهود والنصارى كلها مدنية، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها، فهذا تقرير الإشكال القائم في هذه الآية.
واعلم أن الناس اختلفوا فيه على قولين :
فالقول الأول : إن هذه الآية نزلت في حق اليهود وهو القول المشهور عند الجمهور.