وقال ابن عاشور :
﴿ وهذا كتاب ﴾ عطف على جملة ﴿ قل الله ﴾ [ الأنعام : ٩١ ]، أي وقل لهم الله أنزل الكتاب على موسى وهذا كتاب أنزلناه.
والإشارة إلى القرآن لأنّ المحاولة في شأنه من ادّعائهم نفي نزوله من عند الله، ومن تبكيتهم بإنزال التّوراة، يجعل القرآن كالحاضر المشاهد، فأتي باسم الإشارة لزيادة تمييزه تقوية لحضوره في الأذهان.
وافتتاح الكلام باسم الإشارة المفيد تمييز الكتاب أكمل تمييز، وبناءُ فعل ﴿ أنزلنا ﴾ على خبر اسم الإشارة، وهو ﴿ كتاب ﴾ الّذي هو عينه في المعنى، لإفادة التّقوية، كأنّه قيل : وهَذا أنزلناه.
وجَعْل ﴿ كتاب ﴾ الّذي حقّه أن يكون مفعول ﴿ أنزلنا ﴾ مسنداً إليه، ونصب فعل ﴿ أنزلنا ﴾ لضميره، لإفادة تحقيق إنزاله بالتّعبير عنه مرّتين، وذلك كلّه للتّنويه بشأن هذا الكتاب.
وجملة :﴿ أنزلناه ﴾ يجوز أن تكون حالاً من اسم الإشارة، أو معترضة بينه وبين خبره.
و﴿ مبارك ﴾ خبر ثان.
والمبارك اسم مفعول من بَاركه، وبارك عليه، وبارك فيه، وبارك له، إذا جعل له البركة.
والبركة كثرة الخير ونماؤه يقال : باركه.
قال تعالى :﴿ أن بُورك من في النّار ومن حولها ﴾ [ النمل : ٨ ]، ويقال : بارك فيه، قال تعالى :﴿ وبارك فيها ﴾ [ فصلت : ١٠ ].
ولعلّ قولهم ( بارك فيه ) إنّما يتعلّق به ما كانت البركة حاصلة للغير في زمنه أو مكانه، وأمّا ( باركه ) فيتعلّق به ما كانت البركة صفة له، و( بَارك عليه ) جعل البركة متمكّنة منه، ( وبارك له ) جعل أشياء مباركة لأجله، أي بارك فيما له.
والقرآن مبارَك لأنّه يدلّ على الخير العظيم، فالبركة كائنة به، فكأنّ البركة جعلت في ألفاظه، ولأنّ الله تعالى قد أودع فيه بركة لقارئه المشتغل به بركة في الدّنيا وفي الآخرة، ولأنّه مشتمل على ما في العمل به كمال النّفس وطهارتها بالمعارف النّظريّة ثمّ العمليّة.
فكانت البركة ملازمة لقراءته وفهمه.


الصفحة التالية
Icon