والوجه الثاني : في استنباط الحجة من قوله :﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ ما بينا في هذا الكتاب وفي كتاب "الأربعين في أصول الدين" أن ما سوى الواحد ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فهو محدث، ينتج أن ما سوى الواحد الأحد الحق فهو محدث، فيلزم القطع بأن إبليس وجميع جنوده يكونون موصوفين بالحدوث.
وحصول الوجود بعدم العدم، وحينئذ يعود الإلزام المذكور على ما قررناه، فهذا تقرير المقصود الأصلي من هذه الآية وبالله التوفيق. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٣ صـ ٩٢ ـ ٩٣﴾

فصل


قال الفخر :
قوله تعالى :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن﴾ معناه : وجعلوا الجن شركاء لله.
فإن قيل : فما الفائدة في التقديم ؟
قلنا : قال سيبويه : إنهم يقدمون الأهم الذي هم بشأنه أعنى، فالفائدة في هذا التقديم استعظام أن يتخذ لله شريك سواء كان ملكاً أو جنياً أو إنسياً أو غير ذلك.
فهذا هو السبب في تقديم اسم الله على الشركاء.
إذا عرفت هذا فنقول : قرىء ﴿الجن﴾ بالنصب والرفع والجر، أما وجه النصب فالمشهور أنه بدل من قوله :﴿شُرَكَاء﴾ قال بعض المحققين : هذا ضعيف لأن البدل ما يقوم مقام المبدل، فلو قيل : وجعلوا لله الجن لم يكن كلاماً مفهوماً بل الأولى جعله عطف بيان.
أما وجه القراءة بالرفع فهو أنه لما قيل :﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء﴾ فهذا الكلام لو وقع الاقتصار عليه لصح أن يراد به الجن والأنس والحجر والوثن فكأنه قيل ومن أولئك الشركاء ؟ فقيل : الجن.
وأما وجه القراءة بالجر فعلى الإضافة التي هي للتبيين.
واختلفوا في تفسير هذه الشركة على ثلاثة أوجه : فالأول : ما ذكرناه من أن المراد منه حكاية قول من يثبت للعالم إلهين أحدهما فاعل الخير والثاني فاعل الشر.


الصفحة التالية
Icon