فصل
قال الفخر :
قوله تعالى :﴿خالق كُلّ شَىْء فاعبدوه﴾ يدل على ترتيب الأمر بالعبادة على كونه تعالى خالقاً لكل الأشياء بفاء التعقيب وترتيب الحكم على الوصف بحرف الفاء مشعر بالسببية، فهذا يقتضي أن يكون كونه تعالى خالقاً للأشياء هو الموجب لكونه معبوداً على الإطلاق، والإله هو المستحق للمعبودية، فهذا يشعر بصحة ما يذكره بعض أصحابنا من أن الإله عبارة عن القادر على الخلق والإبداع والإيجاد والاختراع.
المسألة الخامسة :
احتج كثير من المعتزلة بقوله :﴿خالق كُلّ شَىْء﴾ على نفي الصفات، وعلى كون القرآن مخلوقاً.
أما نفي الصفات فلأنهم قالوا : لو كان تعالى عالماً بالعلم قادراً بالقدرة، لكان ذلك العلم والقدرة إما أن يقال : إنهما قديمان.
أو محدثان، والأول باطل.
لأن عموم قوله :﴿خالق كُلّ شَىْء﴾ يقتضي كونه خالقاً لكل الأشياء أدخلنا التخصيص في هذا العموم بحسب ذاته تعالى ضرورة أنه يمتنع أن يكون خالقاً لنفسه، فوجب أن يبقى على عمومه فيما سواه، والقول بإثبات الصفات القديمة يقتضي مزيد التخصيص في هذا العموم، وأنه لا يجوز.
والثاني : وهو القول بحدوث علم الله وقدرته.
فهو باطل بالإجماع، ولأنه يلزم افتقار إيجاد ذلك العلم والقدرة إلى سبق علم آخر وقدرة أخرى، وأن ذلك محال.
وأما تمسكهم بهذه الآية على كون القرآن مخلوقاً.
فقالوا : القرآن شيء وكل شيء فهو مخلوق لله تعالى بحكم هذا العموم.
فلزم كون القرآن مخلوقاً لله تعالى أقصى ما في هذا الباب أن هذا العموم دخله التخصيص في ذات الله تعالى، إلا أن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، ولذلك فإن دخول هذا التخصيص في هذا العموم لم يمنع أهل السنة من التمسك به في إثبات أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.