بل المدرك هو المبصر فوجب القطع بأن المراد من قوله ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ هو أنه لا يدركه المبصرون وإذا كان كذلك كان قوله :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ المراد منه وهو يدرك المبصرين، ومعتزلة البصرة يوافقوننا على أنه تعالى يبصر الأشياء فكان هو تعالى من جملة المبصرين فقوله :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ يقتضي كونه تعالى مبصراً لنفسه، وإذا كان الأمر كذلك كان تعالى جائز الرؤية في ذاته، وكان تعالى يرى نفسه.
وكل من قال إنه تعالى جائز الرؤية في نفسه، قال : إن المؤمنين يرونه يوم القيامة فصارت هذه الآية دالة على أنه جائز الرؤية وعلى أن المؤمنين يرونه يوم القيامة، وإن أردنا أن نزيد هذا الاستدلال اختصاراً قلنا : قوله تعالى :﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ المراد منه إما نفس البصر أو المبصر، وعلى التقديرين : فيلزم كونه تعالى مبصراً لأبصار نفسه، وكونه مبصراً لذات نفسه.
وإذا ثبت هذا وجب أن يراه المؤمنون يوم القيامة ضرورة أنه لا قائل بالفرق.
الوجه الثالث : في الاستدلال بالآية أن لفظ ﴿الأبصار﴾ صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي تفيد الاستغراق فقوله :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ يفيد أنه لا يراه جميع الأبصار، فهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب.
إذا عرفت هذا فنقول : تخصيص هذا السلب بالمجموع يدل على ثبوت الحكم في بعض أفراد المجموع، ألا ترى أن الرجل إذا قال إن زيداً ما ضربه كل الناس فإنه يفيد أنه ضربه بعضهم.
فإذا قيل : إن محمداً ﷺ ما آمن به كل الناس أفاد أنه آمن به بعض الناس، وكذا قوله :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ معناه : أنه لا تدركه جميع الأبصار، فوجب أن يفيد أنه تدركه بعض الأبصار.
أقصى ما في الباب أن يقال : هذا تمسك بدليل الخطاب.