ولما لم يكن لقولهم أصلاً حقيقة ولا شبهة، وكان الخرق التقدير بغير علم، دل على ذلك مصرحاً بما أفهمه محققاً له تنبيهاً على الدليل القطعي في اجتياح قولهم من أصله، وذلك أنه قول لا حجة له، ومسائل أصول الدين لا يصار إلى شيء منها إلا بقاطع، وذلك بنكرة في سياق النفي فقال :﴿بغير علم﴾ ثم نزه نفسه المقدسة تنبيهاً على ما يجب قوله على كل من سمع ذلك، فقال :﴿سبحانه﴾ أي أسبحه سبحاناً يليق بجلاله أن يضاف إليه ؛ ولما كان معنى التسبيح الإبعاد عن النقص، وكان المقام يقتضي كونه في العلو، صرح به فقال :﴿وتعالى﴾ أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء ﴿عما يصفون ﴾. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ٦٨٧ ـ ٦٨٩﴾

فصل


قال الفخر :
اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية، وكمال القدرة والرحمة.
ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور ههنا غير ما تقدم ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف.
فالطائفة الأولى : عبدة الأصنام فهم يقولون الأصنام شركاء لله في العبودية، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين.
والطائفة الثانية : من المشركين الذين يقولون، مدبر هذا العالم هو الكواكب، وهؤلاء فريقان منهم من يقول : إنها واجبة الوجود لذاتها، ومنهم من يقول : إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة، وخالقها هو الله تعالى، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها وهؤلاء هم الذين حكى الله عنهم أن الخليل ﷺ ناظرهم بقوله :﴿لا أُحِبُّ الآفلين﴾ وشرح هذا الدليل قد مضى.
والطائفة الثالثة : من المشركين الذين قالوا لجملة هذا العالم بما فيه من السموات والأرضين إلهان : أحدهما فاعل الخير.


الصفحة التالية
Icon