والآية كما لا يخفى من قبيل المثال الأول فكان الظاهر حيث ظنوا أيمانهم ورغبوا فيه وعلم الله تعالى عدم وقوعه منهم ولو نزل عليهم الملائكة وكلمهم الموتى أن يقال : وما يشعركم أنهم إذا جاءت يؤمنون.
وأجاب عنه بعضهم بأن هذا الاستفهام في معنى النفي وهو إخبار عنهم بعدم العلم لا إنكار عليهم، والمعنى أن الآيات عند الله تعالى ينزلها بحسب المصلحة، وقد علم سبحانه أنهم لا يؤمنون ولا تنجع فيهم الآيات وأنتم لا تدرون ما في الواقع وفي علم الله تعالى وهو أنهم لا يؤمنون فلذلك تتوقعون إيمانهم، والحاصل أن الاستفهام للإنكار وله معنيان لم ولا فإن كان بمعنى لم يقال ما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون بدون لا على معنى لم قلتم أنها إذا جاءت يؤمنون وتوقعتم ذلك؟ وإن كان بمعنى لا يقال ما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بإثبات لا على معنى لا تعلمون أنهم لا يؤمنون فلذا توقعتم إيمانهم ورغبتم في نزول آية لهم ؛ وهذا الثاني هو المراد ويرجع إلى إقامة عذر المؤمنين في طلبهم ذلك ورغبتهم فيه.
وأجاب آخرون بأن ﴿ لا ﴾ زائدة كما في قوله تعالى :﴿ مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُواْ ﴾ [ الأعراف : ١٢ ] و﴿ حَرَامٌ على قَرْيَةٍ أهلكناها أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ ﴾ [ الأنبياء : ٩٥ ] فإنه أريد تسجد ويرجعون بدون لا.
وعن الخليل أن ( أن ) بمعنى لعل كما في قولهم : ائت السوق أنك تشتري لحماً ؛ وقول امرىء القيس
: عرجوا على الطلل المحيل لأننا...
نبكي الديار كما بكى ابن خذام
وقول الآخر
: هل أنتم عائجون بنا لأنا...
نرى العرصات أو أثر الخيام
ويؤيده أن يشعركم ويدريكم بمعنى.


الصفحة التالية
Icon