وقدمت الأفئدة لأن موضع الدواعي والصوارف هو القلب فإذا حصلت الداعية في القلب انصرف البصر إليه شاء أم أبى، وإذا حصلت الصوارف في القلب انصرف البصر عنه وإن كان تحدق النظر إليه ظاهراً وهذه التفاسير على أن ذلك في الدنيا.
وقالت فرقة : إن ذلك إخبار من الله تعالى يفعل بهم ذلك في الآخرة.
فروي عن ابن عباس أنه جواب لسؤالهم في الآخرة الرجوع إلى الدنيا.
والمعنى لو ردّوا لحلنا بينهم وبين الهدى كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا انتهى.
وهذا ينبو عنه تركيب الكلام.
وقيل : تقليبها في النار في جهنم على لهيبها وجمرها ليعذبوا ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ يعني في الدنيا وقاله
الجبائي.
وقال أبو الهذيل : تقليب أفئدتهم بلوغها الحناجر كما قال تعالى :﴿ وأنذرهم يوم الآزفة ﴾ وقيل : تقليب أبصارهم إلى الزرقة وحمل ذلك على أنه في الآخرة ضعيف قلق النظم، لأن التقليب في الآخرة وتركهم في الطغيان في الدنيا، فيختلف الظرفان من غير دليل على اختلافهما، بل الظاهر أن ذلك إخبار مستأنف كما قررناه أولاً، والكاف في ﴿ كما ﴾ ذكرنا أنها للتعليل، وهو واضح فيها وإن كان استعمالها فيه قليلاً.
وقالت فرقة ﴿ كما ﴾ : هي بمعنى المجازاة أي لما ﴿ لم يؤمنوا به أول مرة ﴾ نجاريهم بأن ﴿ نقلب أفئدتهم ﴾ عن الهدى ونطبع على قلوبهم.
فكأنه قال : ونحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم جزاء لما ﴿ لم يؤمنوا أول مرة ﴾ بما دعوا إليه من الشرع.
قاله ابن عطية، وهو معنى التعليل الذي ذكرناه إلا أنّ تسمية ذلك بمعنى المجازاة غريبة، لا يعهد في كلام النحويين أنّ الكاف للمجازاة.
وقيل : للتشبه قيل وفي الكلام حذف تقديره فلا يؤمنون به ثاني مرة ﴿ كما لم يؤمنوا به أول مرة ﴾.
وقيل : الكاف نعت لمصدر محذوف أي تقليباً لكفرهم، أي عقوبة مساوية لمعصيتهم، قاله أبو البقاء.


الصفحة التالية
Icon