وقال الآلوسى :
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً ﴾
كلام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله ﷺ عما ( كان ) يشاهده من عداوة قريش وما بنوا عليها من الأقاويل والأفاعيل، وذلك إشارة إلى ما يفهم مما تقدم، والكاف في موضع نصب على أنه نعت لمصدر مؤكد لما بعده، والتقديم للقصر المفيد للمبالغة، و﴿ عَدُوّا ﴾ بمعنى أعداء كما في قوله
: إذا أنا لم أنفع صديقي بوده...
فإن عدوي لم يضرهم بغضي
أي مثل ذلك الجعل في حقك حيث جعلنا لك أعداء يضادونك ( ويضارونك ) ولا يؤمنون ويبغونك الغوائل ( ويدبرون في إبطال أمرك مكايد ) جعلنا لكل نبي تقدمك فعلوا معهم نحو ما فعل معك أعداؤك لا جعلاً أنقص منه.
وجعله الإمام على هذا الوجه عطفاً على معنى ما تقدم من الكلام، ولعله ليس المراد منه العطف الإصطلاحي، وجوز أن يكون مرتبطاً بقوله سبحانه : و﴿ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ﴾ [ الأنعام : ١٠٨ ] أي كما فعلنا ذلك جعلنا لكل نبي عدواً وفيه بعد.
وأياً ما كان فالآية ظاهرة فيما ذهب إليه أهل السنة من أنه تعالى خالق الشر كما أنه خالق الخير، وحملها على أن المراد بها وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأعدائهم لم نمنعهم من العداوة لما فيه من الإمتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر خلاف الظاهر.
ومثله قول أبي بكر الأصم إن هذا الجعل بطريق التسبب حيث أرسل سبحانه الأنبياء عليهم السلام وخصهم بالمعجزات فحسدهم من حسدهم وصار ذلك سبباً للعداوة القوية، ونظير ذلك قول المتنبي
: فأنت الذي صيرتهم حسداً...
وقيل : المراد كما أمرناك بعداوة قومك من المشركين كذلك أمرنا من قبلك من الأنبياء بمعاداة نحو أولئك أو كما أخبرناك بعداوة المشركين وحكمنا بذلك أخبرنا الأنبياء بعداوة أعدائهم وحكمنا بذلك والكل ليس بشيء، وهكذا غالب تأويلات المعتزلة. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٨ صـ ﴾


الصفحة التالية
Icon