والتفضيل في العلم إما بالنظر إلى المعلومات فإنها غير متناهية أو إلى وجوه العلم التي يمكن تعلقه بها، وإما باعتبار الكيفية وهي لزوم العلم له سبحانه أو كونه بالذات لا بالغير. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٨ صـ ﴾
وقال ابن عاشور :
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
تعليل لقوله :﴿ وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك ﴾ [ الأنعام : ١١٦ ] لأنّ مضمونه التّحذير من نزغاتهم وتوقّع التّضليل منهم وهو يقتضي أنّ المسلمين يريدون الاهتداء، فليجتنبوا الضالّين، وليهتدوا بالله الّذي يهديهم.
وكذلك شأن ( إنّ ) إذا جاءت في خبر لا يحتاج لردّ الشكّ أو الإنكار : أن تفيد تأكيد الخبر ووصله بالّذي قبله، بحيث تغني غَناء فاء التّفريع، وتفيد التّعليل، ولمّا اشتملت الآيات المتقدّمة على بيان ضلال الضالّين، وهدى المهتدين، كان قوله :﴿ إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ﴾ تذييلاً لجميع تلك الأغراض.
وتعريف المسند إليه بالإضافة في قوله :﴿ إن ربك ﴾ لتشريف المضاف إليه، وإظهار أن هدي الرّسول عليه الصلاة والسلام هو الهُدى، وأنّ الّذين أخبر عنهم بأنّهم مُضلّون لا حظّ لهم في الهدى لأنّهم لم يتّخذوا الله ربّاً لهم.
وقد قال أبو سفيان يوم أحُد :"لَنَا العُزّى ولا عُزّى لكم فقال رسول الله ﷺ أجيبوه قولوا :" اللَّهُ مولانا ولا مولى لكم ".
و﴿ أعلمُ ﴾ اسم تفضيل للدّلالة على أنّ الله لا يعزب عن علمه أحد من الضالّين، ولا أحد من المهتدين، وأنّ غير الله قد يعلم بعض المهتدين وبعض المضلّين، ويفوته علم كثير من الفريقين، وتخفَى عليه دخيلة بعض الفريقين.


الصفحة التالية
Icon