ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه، وكان الرجس في الأصل لما يستقذر، والمستقذر ينفر منه، وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالاً، وهو أن يقال : هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا الزمان، أجيب بما حاصله : لا، ﴿كذلك﴾ أي مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من أهل هذا الزمان ﴿يجعل الله﴾ أي بما له من القدرة التامة والعظمة الباهرة ﴿الرجس﴾ أي الاضطراب والقذر ﴿على الذين لا يؤمنون﴾ من أهل كل زمان لإرادته سبحانه دوام ضلالهم، فالآية من الاحتباك : ذكر أولاً الضلال دليلاً على حذفه ثانياً، وذكر الرجس ثانياً دليلاً على حذفه أولاً، والآية نص في أن الله يريد هدى المؤمن وضلال الكافر. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ٧١٠ ـ ٧١٣﴾

فصل


قال الفخر :
تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى.
واعلم أن هذه الآية كما أن لفظها يدل على قولنا، فلفظها أيضاً يدل على الدليل القاطع العقلي الذي في هذه المسألة، وبيانه أن العبد قادر على الإيمان وقادر على الفكر، فقدرته بالنسبة إلى هذين الأمرين حاصلة على السوية، فيمتنع صدور الإيمان عنه بدلاً من الكفر أو الكفر بدلاً من الإيمان، إلا إذا حصل في القلب داعية إليه، وقد بينا ذلك مراراً كثيرة في هذا الكتاب، وتلك الداعية لا معنى لها إلا علمه أو اعتقاده أو ظنه بكون ذلك الفعل مشتملاً على مصلحة زائدة ومنفعة راجحة، فإنه إذا حصل هذا المعنى في القلب دعاه ذلك إلى فعل ذلك الشيء، وإن حصل في القلب علم أو اعتقاد أو ظن بكون ذلك الفعل مشتملاً على ضرر زائد ومفسدة راجحة دعاه ذلك إلى تركه، وبينا بالدليل أن حصول هذه الدواعي لا بد وأن يكون من الله تعالى، وأن مجموع القدرة مع الداعي يوجب الفعل.


الصفحة التالية
Icon