وتعريف المسند باللاّم مقتض تخصيصه بالمسند إليه، أي قصر الغنى على الله، وهو قصرٌ ادّعائي باعتبار أنّ غنى غير الله تعالى لمّا كان غنى ناقصاً نُزّل منزلة العدم، أي ربّك الغنيّ لا غيره، وغناه تعالى حقيقي.
وذكر وصف الغنيّ هنا تمهيد للحكم الوارد عقبه، وهو : إن يشأ يذهبكم } فهو من تقديم الدّليل بين يدي الدّعوى، تذكيراً بتقريب حصول الجزم بالدّعوى.
و﴿ ذو الرحمة ﴾ خبر ثان.
وعدل عن أن يوصف بوصف الرّحيم إلى وصفه بأنّه :﴿ ذو الرحمة ﴾ : لأنّ الغنيّ وصف ذاتي لله لا ينتفع الخلائق إلاّ بلوازم ذلك الوصف، وهي جوده عليهم، لأنَّه لا ينقص شيئاً من غناه، بخلاف صفة الرّحمة فإنّ تعلّقها ينفع الخلائق، فأوثرت بكلمة ﴿ ذو ﴾ لأنّ ﴿ ذو ﴾ كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بالأجناس، ومعناها صاحب، وهي تشعر بقوّة أو وفرة ما تضاف إليه، فلا يقال ذو إنصاف إلاّ لمن كان قوي الإنصاف، ولا يقال ذُو مال لمن عنده مال قليل، والمقصُود من الوصف بذي الرّحمة، هنا تمهيد لمعنى الإمهال الّذي في قوله :﴿ إن يشأ يذهبكم ﴾، أي فلا يقولنّ أحد لماذا لم يُذهب هؤلاء المكذّبين، أي أنَّه لرحمته أمهلهم إعذاراً لهم. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٧ صـ ﴾
فصل
قال الفخر :
أما المعتزلة فقالوا : هذه الآية إشارة إلى الدليل الدال على كونه عادلاً منزهاً عن فعل القبيح، وعلى كونه رحيماً محسناً بعباده.
أما المطلوب الأول فقال : تقريره أنه تعالى عالم بقبح القبائح وعالم بكونه غنياً عنه، وكل من كان كذلك فإنه يتعالى عن فعل القبيح.
أما المقدمة الأولى، فتقريرها إنما يتم بمجموع مقدمات ثلاثة.
أولها : أن في الحوادث ما يكون قبيحاً، نحو : الظلم، والسفه، والكذب، والغيبة : وهذه المقدمة غير مذكورة في الآية لغاية ظهورها.