وقال ابن هشام في مقدمة السيرة إنهم كانوا يقسمون له، فما دخل في حق عم أنس من حق الله الذي سموه له تركوه له، وما دخل في حق الله من حق عم أنس ردوه عليه، قال : وهم بطن من خولان يقال لهم الأديم ؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرنا معمر عن قتادة قال : كانوا يعزلون من أموالهم شيئاً فيقولون : هذا لله وهذا لأصنامهم، فإن ذهب شيء مما جعلوا لشركائهم يخالط شيئاً مما جعلوه ردوه، وإن ذهب شيء مما جعلوه لله يخالط شيئاً مما جعلوه لشركائهم تركوه، وإن أصابتهم سنة أكلوا مما جعلوا لله وتركوا ما جعلوا لشركائهم، فقال عزّ وجلّ ﴿ساء ما يحكمون﴾ وقال البغوي : كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً وللأوثان نصيباً، فما جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان وقالوا : إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه لله. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٢ صـ ٧٢٠ ـ ٧٢٢﴾

فصل


قال الفخر :
اعلم أنه تعالى لما بين قبح طريقتهم في إنكارهم البعث، والقيامة ذكر عقيبه أنواعاً من جهالاتهم وركاكات أقوالهم تنبيهاً على ضعف عقولهم، وقلة محصولهم، وتنفيراً للعقلاء عن الالتفات إلى كلماتهم، فمن جملتها أنهم يجعلون لله من حروثهم، كالتمر والقمح، ومن أنعامهم كالضأن والمعز والإبل والبقر، نصيباً، فقالوا :﴿هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ يريد بكذبهم.
فإن قيل : أليس أن جميع الأشياء لله فكيف نسبوا إلى الكذب في قولهم : هذا لله ؟
قلنا : إفرازهم النصيبين نصيباً لله ؛ ونصيباً للشيطان هو الكذب.


الصفحة التالية
Icon