والإتيان مستعار للحصول تشبيها للشيء الموعودِ به المنتظر وقوعه بالشّخص الغائب المنتظرِ إتيانُه، كما تقدّم في قوله تعالى :﴿ قل أرأيتكم إن أتاكم عذابُ الله بغتة أو جهرة في هذه السورة.
وحقيقة المُعجز هو الّذي يَجعل طالب شيءٍ عاجزاً عن نواله، أي غير قادرين، ويستعمل مجازاً في معنى الإفلات من تَناوُل طالبِه كما قال إياس بن قبيصَة الطائي :
ألم تَرَ أنّ الأرضَ رحْب فسيحة
فهَل تُعْجزَنِّي بُقعة من بِقاعها...
أي فلا تُفلت منّي بقعة منها لا يصل إليها العدوّ الّذي يطالبني.
فالمعنى : وما أنتم بمعجزي أي : بمفلتين من وعيدي، أو بخارجين عن قدرتي، وهو صالح للاحتمالين.
ومجيء الجملة اسميّة في قوله : وما أنتم بمعجزين ﴾ لإفادة الثّبات والدّوام، في نسبة المسند للمسند إليه، وهي نسبةُ نفيه عن المسند إليه، لأنّ الخصوصيات الّتي تعتبر في حالة الإثبات تعتبر في حالة النّفي إذ النّفي إنَّما هو كيفيّة للنّسبة.
والخصوصياتُ مقتضياتُ أحواللِ التّركيب، وليس يختلف النّفي عن الإثبات إلاّ في اعتبار القيود الزائدة على أصل التّركيب، فإنّ النّفي يعتبر متوجّهاً إليها خاصّة وَهي قيود مفاهيم المخالفة، وإلاّ لبطلت خصوصيات كثيرة مفروضة مع الإثبات، إذا صار الكلام المشتمل عليها منفياً، مثل إفادة التجدّد في المسند الفعلي في قول جؤية بن النضر :
لا يألفُ الدرهمُ المضروب صرّتَنا
لكن يمرّ عليها وهو منطق...
إذ لا فرق في إفادة التّجدّد بين هذا المصراع، وبين أن تقول : ألِفَ الدّرهم صرّتنا.
وكذلك قوله تعالى :﴿ لاَ هُنّ حِلّ لهم ولا هُم يحِلّون لهنّ ﴾ [ الممتحنة : ١٠ ] فإنّ الأول يفيد أنّ نفي حِلّهنّ لهم حكم ثابت لا يختلف، والثّاني يفيد أنّ نفي حِلّهم لهُنّ حكم متجدّد لا ينسخ، فهما اعتباران، وقد أشرت إلى بعض هذا عند تفسير قوله تعالى :﴿ واللَّه لا يحبّ كلّ كفّار أثِيم ﴾ في سورة البقرة ( ٢٧٦ ). أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٧ صـ ﴾