وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى :
قال الزجاج : موضع كم رفع بالابتداء وخبره أهلكناها.
قال : وهو أحسن من أن يكون في موضع نصب لأن قولك زيد ضربته أجود من قولك زيداً ضربته، والنصب جيد عربي أيضاً كقوله تعالى :﴿إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ﴾ [ القمر : ٤٩ ].
المسألة الثانية :
قيل : في الآية محذوف والتقدير : وكم من أهل قرية ويدل عليه وجوه : أحدها : قوله :﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ والبأس لا يليق إلا بالأهل.
وثانيها : قوله :﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ فعاد الضمير إلى أهل القرية.
وثالثها : أن الزجر والتحذير لا يقع للمكلفين إلا بإهلاكهم.
ورابعها : أن معنى البيات والقائلة لا يصح إلا فيهم.
فإن قيل : فلماذا قال أهلكناها ؟
أجابوا بأنه تعالى رد الكلام على اللفظ دون المعنى كقوله تعالى :﴿وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ﴾ [ الطلاق : ٨ ] فرده على اللفظ.
ثم قال :﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ﴾ [ الطلاق : ١٠ ] فرده على المعنى دون اللفظ، ولهذا السبب قال الزجاج : ولو قال فجاءهم بأسنا لكان صواباً، وقال بعضهم : لا محذوف في الآية والمراد إهلاك نفس القرية لأن في إهلاكها بهدم أو خسف أو غيرهما إهلاك من فيها، ولأن على هذا التقدير يكون قوله :﴿فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ محمولاً على ظاهره ولا حاجة فيه إلى التأويل.
المسألة الثالثة :
لقائل أن يقول : قوله :﴿وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا﴾ يقتضي أن يكون الإهلاك متقدماً على مجيء البأس وليس الأمر كذلك، فإنّ مجيء البأس مقدم على الإهلاك والعلماء أجابوا عن هذا السؤال من وجوه :
الأول : المراد بقوله :﴿أهلكناها﴾ أي حكمنا بهلاكها فجاءها بأسنا.
وثانيها : كم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كقوله تعالى :﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فغسلوا وجوهكم﴾ [ المائدة : ٦ ] وثالثها : أنه لو قال وكم من قرية أهلكناها فجاءهم إهلاكنا لم يكن السؤال وارداً فكذا ههنا لأنه تعالى عبر عن ذلك الإهلاك بلفظ البأس.


الصفحة التالية
Icon