والرابع : أن البأس والهلاك وقعا معاً في حال واحدة، لأن الهلاك كان بوقوع البأس فلم يفترقا، وليس دخول الفاء بينهما موجبة لافتراقهما بل قد تكون بمعنى الواو كما يقال أعطيت وأحسنت، فكان الإحسان بالعطاء ولم يكن بعد العطاء، قاله الفراء.
وقوله :﴿ بَيَانَاً ﴾ يعني في نوم الليل.
﴿ أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ ﴾ يعني في نوم النهار وقت القائلة.
فإن قيل : فلم جاءهم بالعذاب في وقت النوم دون اليقظة؟ قيل : لأمرين :
أحدهما : لأن العذاب في وقت الراحة أشد وأغلظ.
والثاني : لئلا يتحرزوا منه ويهربوا عنه، لاستسلام النائم وتحرز المستيقظ، والبأس : شدة العذاب، والبؤس : شدة الفقر. أ هـ ﴿النكت والعيون حـ ٢ صـ ﴾
وقال ابن عطية :
﴿ كم ﴾ في موضع رفع بالابتداء والخبر ﴿ أهلكناها ﴾، ويصح أن يكون الخبر في قوله ﴿ فجاءها ﴾ و﴿ أهلكناها ﴾ صفة، ويصح أن تكون في موضع نصب بفعل مقدر بعدها تقديره وكم أهلكنا من قرية أهلكناها، وقدر الفعل بعدها - وهي خبرية - تشبيهاً لها بالاستفهامية في أن لها في كل حال صدر الكلام، وقالت فرقة المراد وكم من أهل قرية وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقام المضاف، وقالت فرقة إنما عبر بالقرية لأنها أعظم في العقوبة إذا هلك البشر وقريتهم، وقد بين في آخر الآية بقوله ﴿ أوهم ﴾ أن البشر داخلون في الهلاك، فالآية على هذا التأويل تتضمن هلاك القرية وأهلها جميعاً، وعلى التأويل الأول تتضمن هلاك الأهل ولا معنى لذكر القرية، والمراد بالآية التكثير، وقرأ ابن أبي عبلة :" وكم من قرية أهلكناهم فجاءهم بأسنا ". وقوله ﴿ فجاءها ﴾ يقتضي ظاهره أن المجيء بعد الإهلاك، وذلك، وذلك مستحيل فلم يبق إلا أن يعدل على ظاهر هذا التعقيب فقيل الفاء قد تجيء بمنزلة الواو ولا تعطى رتبة.