ثم قال بعده :﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾ وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ تفيد التراخي، فظاهر الآية يقتضي أن أمر الملائكة بالسجود لآدم وقع بعد خلقنا وتصويرنا، ومعلوم أنه ليس الأمر كذلك، فلهذا السبب اختلف الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال : الأول : أن قوله :﴿وَلَقَدْ خلقناكم﴾ أي خلقنا أباكم آدم وصورناكم، أي صورنا آدم ﴿ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ﴾ وهو قول الحسن ويوسف النخوي وهو المختار، وذلك لأن أمر الملائكة بالسجود لآدم تأخر عن خلق آدم وتصويره، ولم يتأخر عن خلقنا وتصويرنا أقصى ما في الباب أن يقال : كيف يحسن جعل خلقنا وتصويرنا كناية عن خلق آدم وتصويره ؟ فنقول : إن آدم عليه السلام أصل البشر، فوجب أن تحسن هذه الكناية نظيره قوله تعالى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور﴾ [ البقرة : ٦٣ ] أي ميثاق أسلافكم من بني إسرائيل في زمان موسى عليه السلام، ويقال : قتلت بنو أسد فلاناً، وإنما قتله أحدهم.
قال عليه السلام : ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل، وإنما قتله أحدهم، وقال تعالى مخاطباً لليهود في زمان محمد ﷺ :﴿وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ﴾ [ الأعراف : ١٤١ ] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [ البقرة : ٧٢ ] والمراد من جميع هذه الخطابات أسلافهم، فكذا ههنا.
الثاني : أن يكون المراد من قوله :﴿خلقناكم﴾ آدم ﴿ثُمَّ صورناكم﴾ أي صورنا ذرية آدم عليه السلام في ظهره، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، وهذا قول مجاهد.
فذكر أنه تعالى خلق آدم أولاً، ثم أخرج أولاده من ظهره في صورة الذر، ثم بعد ذلك أمر الملائكة بالسجود لآدم.
الوجه الثالث : خلقناكم ثم صورناكم ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، فهذا العطف يفيد ترتيب خبر على خبر، ولا يفيد ترتيب المخبر على المخبر.


الصفحة التالية
Icon