إن قلتَ لا ريبَ في أن الكلامَ المحكيَّ له عند صدورِه عن المتكلم حالةٌ مخصوصةٌ تقتضي ورودَه على وجه خاصَ من وجوه النظمِ بحيث لو أخل بشيء من ذلك سقط الكلامُ عن رتبة البلاغةِ البتة، فالكلامُ الواحدُ المحكيُّ على وجوه شتى إن اقتضى الحالُ ورودَه على وجه معينٍ من تلك الوجوهِ الواردةِ عند الحكاية فذلك الوجهُ هو المطابقُ لمقتضى الحالِ والبالغُ إلى رتبة البلاغةِ دون ما عداه من الوجوه، إذا تمهّد هذا فنقولُ : لا يخفى أن استنظارَ اللعينِ إنما صدر عنه مرةً واحدةً لا غيرُ، فمقامُه إن اقتضى إظهارَ الضراعةِ وترتيبَ الاستنظار على ما حاق به من اللعن والطردِ على نهج استدعاءِ الجبْرِ في مقابلة الكسر كما هو المتبادرُ من قوله : رب فأنظرني حسبما حُكي عنه في السورتين، فما حكي هاهنا يكون بمعزل من المطابقة لمقتضى الحال فضلاً عن العروج إلى معارج الإعجازِ، قلنا : مقامُ استنظاره مُقتضٍ لما ذُكر من إظهار الضراعةِ وترتيب الاستنظارِ على الحِرمان المدلولِ عليه بالطرد والرجم، وكذا مقامُ الإنظارِ مقتضٍ لترتيب الإخبارِ بالإنظار على الاستنظار وقد طُبّق الكلامُ عليه في تينك السورتين ووُفّي كلُّ واحد من مقامَي الحكايةِ والمحكيِّ جميعاً حظَّه. وأما هاهنا فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ مجردَ الإخبار بالاستنظار والإنظارِ سيقت الحكايةُ على نهج الإيجاز والاختصارِ من غير تعرّضٍ لبيان كيفيةِ كل واحدٍ منهما عند المخاطبة والحِوار، إن قلت : فإذن لا يكونُ ذلك نقلاً للكلام على ما هو عليه ولا مطابقاً لمقتضى المقامِ قلنا : الذي يجب اعتبارُه في نقل الكلامِ إنما هو أصلُ معناه ونفسُ مدلولِه الذي يفيده، وأما كيفيةُ إفادتِه له فليس مما يجب مراعاتُه عند النقل البتة، بل قد تراعى وقد لا تراعى حسب اقتضاءِ المقامِ، ولا يقدح في أصل الكلامِ تجريدُه عنها بل قد يراعى عند نقلِه كيفياتٍ وخصوصياتٍ لم يُراعِها المتكلمُ أصلاً ولا يُخلُّ


الصفحة التالية
Icon