وقال القرطبى :
﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾
فيه مسألة واحدة :
قال الكلبي : لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت عيّرهم المشركون ؛ فنزلت هذه الآية.
والفواحش : الأعمال المُفْرِطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن.
وروى رَوح بن عُبادة عن زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال :"مَا ظَهَرَ مِنْهَا" نكاح الأمهات في الجاهلية "وَمَا بَطَنَ" الزنى.
وقال قتادة : سرّها وعلانيتها.
وهذا فيه نظر ؛ فإنه ذكر الإثم والبغي فدلّ أن المراد بالفواحش بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى. والله أعلم.
﴿ والإثم ﴾ قال الحسن : الخمر.
قال الشاعر :
شربتُ الإثمَ حتى ضلّ عقلي...
كذاك الإثمُ تذهبُ بالعقول
وقال آخر :
نشرب الإثم بالصِوَاع جِهارا...
وترى المسك بيننا مُستعارا
﴿ والبغي ﴾ الظلم وتجاوز الحدّ فيه.
وقد تقدّم.
وقال ثعلب : البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه، ويبغِي عليه بغير الحق ؛ إلا أن ينتصر منه بحق.
وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما ؛ فنصّ على ذكرهما تأكيداً لأمرهما وقصداً للزجر عنهما.
وكذا ﴿ وَأَن تُشْرِكُواْ ﴾ ﴿ وَأَن تَقُولُواْ ﴾ وهما في موضع نصب عطفاً على ما قبْلُ.
وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر.
قال الفرّاء الإثم ما دون الحدّ والاستطالة على الناس.
قال النحاس : فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي ؛ كما قال الشاعر :
إني وجدتُ الأمرَ أرشَدُه...
تقوَى الإله وشرُّه الإثْمُ
قلت : وأنكره ابن العربيّ أيضاً وقال :"ولا حجة في البيت ؛ لأنه لو قال : شربت الذنب أو شربت الوِزر لكان كذلك، ولم يوجب قوله أن يكون الذنب والوزر اسما من أسماء الخمر كذلك الإثم.