ولما غبطوا أنفسهم وحقروها وأثبتوا الفضل لأهله، عطف على قولهم قوله مانّاً عليهم بقبول أعمالهم، ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه من معين، بني للمفعول قوله :﴿ونودوا﴾ أي إتماماً لنعيمهم ﴿أن﴾ هي المخففة من الثقيلة أو هي المفسرة ﴿تلكم الجنة﴾ العالية ﴿أورثتموها﴾ أي صارت إليكم من غير تعب ولا منازع ﴿بما﴾ أي بسبب ما ﴿كنتم تعملون﴾ لأنه سبحانه جعله سبباً ظاهرياً بكرمه، والسبب الحقيقي هو ما ذكروه هم من توفيقه. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٣ صـ ٣٤ ـ ٣٥﴾

فصل


قال الفخر :
اعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه، والغل العقد.
قال أهل اللغة : وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب، أي يدخل، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة، ويقال : انغل في الشيء، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة، كالحب يدخل في صميم الفؤاد.
إذا عرفت هذا فنقول : لهذه الآية تأويلان :
القول الأول : أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا، ومعنى نزع الغل : تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ ﴾.
والقول الثاني : إن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة.
قال صاحب "الكشاف" : هذا التأويل أولى من الوجه الأول، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض، ولعن بعضهم بعضاً، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضاً مفارقة لحال أهل النار.


الصفحة التالية
Icon