"اللام" في قوله :﴿لاِخْرَاهُمْ﴾ لام أجل، والمعنى : لأجلهم ولإضلالهم إياهم ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء أَضَلُّونَا﴾ وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم، لأنهم ما خاطبوا أولاهم، وإنما خاطبوا الله تعالى بهذا الكلام.
أما قوله تعالى :﴿رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا﴾ فالمعنى : أن الأتباع يقولون إن المتقدمين أضلونا، واعلم أن هذا الإضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على وجهين : أحدهما : بالدعوة إلى الباطل، وتزيينه في أعينهم، والسعي في إخفاء الدلائل المبطلة لتلك الأباطيل.
والوجه الثاني : بأن يكون المتأخرون معظمين لأولئك المتقدمين، فيقلدونهم في تلك الأباطيل والأضاليل التي لفقوها ويتأسون بهم، فيصير ذلك تشبيهاً بإقدام أولئك المتقدمين على الإضلال.
ثم حكى الله تعالى عن هؤلاء المتأخرين أنهم يدعون على أولئك المتقدمين بمزيد العذاب وهو قوله :﴿فَئَاتِهِم عذاباً ضِعفاً من النار﴾ وفي الضعف، قولان :
القول الأول : قال أبو عبيدة "الضعف" هو مثل الشيء مرة واحدة.
وقال الشافعي رحمه الله : ما يقارب هذا، فقال في رجل أوصى فقال اعطوا فلاناً ضعف نصيب ولدي قال : يعطي مثله مرتين.
والقول الثاني : قال الأزهري :"الضعف" في كلام العرب المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين، وجائز في كلام العرب أن تقول : هذا ضعفه، أي مثلاه وثلاثة أمثاله، لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة، والدليل عليه : قوله تعالى :﴿فأولئك لَهُمْ جَزَاء الضعف بِمَا عَمِلُواْ﴾ [ سبأ : ٣٧ ] ولم يرد به مثلاً ولا مثلين، بل أولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله، لقوله تعالى :﴿مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [ الأنعام : ١٦٠ ] فثبت أن أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور إلى ما لا نهاية له.


الصفحة التالية
Icon