ولمَّا كانت الدُّنْيَا تزداد بعداً في كلِّ سَاعَةٍ، والآخرة تزداد قُرْباً في كلِّ سَاعَةٍ، وثبت أنَّ رحمة الله إنَّمَا تحصلُ بعد الموت، لا جرم قال الله - تعالى - :﴿ إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين ﴾.
أهـ ﴿تفسير ابن عادل حـ ٩ صـ ١٦٠ ـ ١٦٢﴾
من لطائف الإمام القشيرى فى الآية
قال عليه الرحمة :
﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) ﴾
من الإفساد بعد الإصلاح إحمالُ النفس عن المجاهدات بخلع عذارها حتى تتبع هواها بعدما كَبَحْتَ لجامَها مدةً عن العَدْوِ في ميدان الخلاف، ومن ذلك إرسالُ القلب في أودية المنى بعد إمساكه على أوصاف الإرادة، ومن ذلك الرجوعُ إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك استشعارُ محبة المخلوق بعد تأكيد العقد معه بألا تحب سواه، ومن ذلك الجنوحُ إلى تتبع الرُّخص في طريق الطلب بعد حمل النَّفْس على ملازمة الأَوْلى والأشَق، ومن ذلك الانحطاطُ بِحَظٍّ إلى طلبِ مقامٍ منه أو إكرام، بعد القيام معه بترك كل نصيب.
وفي الجملة : الرجوعُ من الأعلى إلى الأدنى إفسادٌ في الأرض بعد الإصلاح.
قوله جلّ ذكره :﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ ﴾.
يقال المحسنين عملاً والمحسنين أملاً، فالأول العابدون والثاني العاصون.
ويقال المحسن من كان حاضراً بقلبه غير لاهٍ عن ربِّه ولا ناسياً لِحقِّه.
ويقال المحسن القائم بما يلزم من الحقوق.
ويقال المحسن الذي لم يخرج (... ) عن إحسانه بقدر الإمكان ولو بشطر كلمة. أ هـ ﴿لطائف الإشارات حـ ١ صـ ٥٤١ ـ ٥٤٢﴾


الصفحة التالية
Icon