وقال أبو حيان :
﴿ قال يا قوم ليس بي ظلالة ولكني رسول من رب العالمين ﴾
لم يرد النفي منه على لفظ ما قالوه فلم يأتِ التركيب لست في ضلال مبين بل جاء في غاية الحسن من نفي أن يلتبس به ويختلط ضلالة ما واحدة فأنى يكون في ضلال فهذا أبلغ من الانتفاء من الضلال إذ لم يعتلق به ولا ضلالة واحدة وفي ندائه لهم ثانياً والإعراض عن جفائهم ما يدلّ على سعة صدره والتلطّف بهم.
ولما نفى عنهم التباس ضلالة ما به دلّ على أنه على الصراط المستقيم فصحّ أن يستدرك كما تقول ما زيد بضالّ ولكنه مهتد فلكن واقعة بين نقيضين لأنّ الإنسان لا يخلو من أحد الشيئين : الضّلال والهدى ولا تجامع ضلالة الرسالة وفي قوله :﴿ من رب العالمين ﴾ تنبيه على أنه ربهم لأنهم من جملة العالم أي من ربّكم المالك لأموركم الناظر لكم بالمصلحة حيث وجه إليكم رسولاً يدعوكم إلى إفراده بالعبادة. أ هـ ﴿البحر المحيط حـ ٤ صـ ﴾
وقال أبو السعود :
﴿ قَالَ ﴾ استئناف كما سبق ﴿ يَا قَوْمِ ﴾ ناداهم بإضافتهم إليه استمالةً لقلوبهم نحو الحق ﴿ لَيْسَ بِى ضلالة ﴾ أيُّ شيءٍ ما من الضلال، قصد عليه الصلاة والسلام تحقيقَ الحق في نفي الضلالِ عن نفسه رداً على الكفرة حيث بالغوا في إثباته له عليه الصلاة والسلام حيث جعلوه مستقراً في الضلال الواضِحِ كونُه ضلالاً، وقوله تعالى :﴿ وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين ﴾ استدراكٌ مما قبله باعتبار ما يستلزِمه من كونه في أقصى مراتبِ الهداية، فإن رسالةَ ربِّ العالمين مستلزِمةٌ لا محالة، كأنه قيل : ليس بي شيءٌ من الضلال ولكني في الغاية القاصيةِ من الهداية. ومن لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لرسولٌ مؤكدةٌ لما يفيده التنوينُ من الفخامة الذاتي بالفخامة الإضافيةِ أي رسولٌ وأيُّ رسولٍ كائنٌ من رب العالمين. أ هـ ﴿تفسير أبى السعود حـ ٣ صـ ﴾