وقال القرطبى :
﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا ﴾
فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى :﴿ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض ﴾ فيه محذوف، أي وبوأكم في الأرض منازل.
﴿ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً ﴾ أي تبنون القصور بكل موضع.
﴿ وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً ﴾ اتخذوا البيوت في الجبال لطول أعمارهم ؛ فإن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل فناء أعمارهم.
وقرأ الحسن بفتح الحاء، وهي لغة.
وفيه حرف من حروف الحلق ؛ فلذلك جاء على فعل يفعل.
الثانية : استدل بهذه الآية من أجاز البناء الرفيع كالقصور ونحوها، وبقوله :﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق ﴾ [ الأعراف : ٣٢ ].
ذُكر أن ابنا لمحمد بن سِيرين بَنَى داراً وأنفق فيها مالاً كثيراً ؛ فذُكر ذلك لمحمد بن سيرين فقال : ما أرى بأساً أن يبني الرجل بناء ينفعه.
وروي أنه عليه السلام قال :" إذا أنعم الله على عبد أحبّ أن يُرى أثر النعمة عليه " ومن آثار النعمة البناء الحسن، والثياب الحسنة.
ألا ترى أنه لو اشترى جارية جميلة بمال عظيم فإنه يجوز وقد يكفيه دون ذلك ؛ فكذلك البناء.
وكره ذلك آخرون، منهم الحسن البصري وغيره.
واحتجوا بقوله عليه السلام :" إذا أراد الله بعبد شراً أهلك ماله في الطين واللَّبِن " وفي خبر آخر عنه أنه عليه السلام قال :" من بَنَى فوق ما يكفيه جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه ".
قلت : بهذا أقول ؛ لقوله عليه السلام :" وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على الله عز وجل إلا ما كان في بنيان أو معصية " رواه جابر بن عبد الله وخرّجه الدَّارَقُطْنِيّ.
وقوله عليه السلام :" ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يوارِي عورته وجِلْف الخبز والماء " أخرجه الترمِذيّ.


الصفحة التالية
Icon