واعلم أنهم كانوا ربما احتاجوا في التيه إلى ماء يشربونه، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يضرب بعصاه الحجر.
وكانوا يريدونه مع أنفسهم فيأخذوا منه قدر الحاجة، وقوله :﴿فانبجست﴾ قال الواحدي : فانبجس الماء وانبجاسه انفجاره.
يقال : بجس الماء يبجس وانبجس وتبجس إذا تفجر، هذا قول أهل اللغة، ثم قال : والانبجاس والانفجار سواء، وعلى هذا التقدير فلا تناقض بين الانبجاس المذكور ههنا وبين الانفجار المذكور في سورة البقرة، وقال آخرون : الانبجاس خروج الماء بقلة، والانفجار خروجه بكثرة، وطريق الجمع : أن الماء ابتدأ بالخروج قليلاً، ثم صار كثيراً، وهذا الفرق مروي عن أبي عمرو بن العلاء، ولما ذكر تعالى أنه كيف كان يسقيهم، ذكر ثانياً أنه ظلل الغمام عليهم، وثالثا : أنه أنزل عليهم المن والسلوى، ولا شك أن مجموع هذه الأحوال نعمة عظيمة من الله تعالى، لأنه تعالى سهل عليهم الطعام والشراب على أحسن الوجوه ودفع عنهم مضار الشمس.
ثم قال :﴿كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم﴾ والمراد قصر أنفسهم على ذلك المطعوم وترك غيره.
ثم قال تعالى :﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ وفيه حذف، وذلك لأن هذا الكلام إنما يحسن ذكره لو أنهم تعدوا ما أمرهم الله به، وذلك إما بأن تقول إنهم ادخروا مع أن الله منعهم منه، أو أقدموا على الأكل في وقت منعهم الله عنه، أو لأنهم سألوا غير ذلك مع أن الله منعهم منه، ومعلوم أن المكلف إذا ارتكب المحظور فهو ظالم لنفسه، فلذلك وصفهم الله تعالى به ونبَّه بقوله :﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وذلك أن المكلف إذا أقدم على المعصية فهو ما أضر إلا نفسه حيث سعى في صيرورة نفسه مستحقة للعقاب العظيم. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٥ صـ ٢٨ ـ ٢٩﴾