وأما القسم الثالث : وهو أن الموجود لا يكون متحيزاً ولا حالاً في المتحيز، فهو قسمان، لأنه إما أن يكون متعلقاً بأجسام بالتدبير والتحريك، وهو المسمى بالأرواح، وإما أن لا يكون كذلك، وهي الجواهر القدسية المبرأة عن علائق الأجسام.
أما القسم الأول فأعلاها وأشرفها الأرواح الثمانية المقدسة الحاملة للعرش، كما قال تعالى :
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثمانية﴾ [ الحاقة : ١٧ ] ويتلوها الأرواح المقدسة المشارة إليها بقوله سبحانه :﴿وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ﴾ [ الزمر : ٧٥ ] ويتلوها سكان الكرسي، وإليهم الإشارة بقوله :﴿مَن ذَا الذى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ [ البقرة : ٢٥٥ ] ويتلوها الأرواح المقدسة في طبقات السموات السبع.
وإليهم الأشارة بقوله :﴿والصافات صَفَّا فالزجرات زَجْراً فالتاليات ذِكْراً﴾ [ الصافات : ١ ٣ ] ومن صفاتهم، أنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
واعلم أن هذا الذي ذكرناه وفصلناه من ملك الله وملكوته كالقطرة في البحر فلعل الله سبحانه له ألف ألف عالم وراء هذا العالم، وله في كل واحد منها عرش أعظم من هذا العرش، وكرسي أعلى من هذا الكرسي، وسموات أوسع من هذه السموات، وكيف يمكن إحاطة عقل البشر بكمال ملك الله وملكوته، بعد أن سمع قوله :﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [ المدثر : ٣١ ] فإذا استحضر الإنسان هذه الأقسام في عقله وأراد الخوض في معرفة أسرار حكمته وإلهيته فهم قولهم :﴿سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [ البقرة : ٣٢ ] ونعم ما قال أبو العلاء المعري :
يا أيها الناس كم لله من فلك.. تجري النجوم به والشمس والقمر
هنا على الله ماضينا وغابرنا.. فما لنا في نواحي غيره خطر. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٥ صـ ٦٣ ـ ٦٥﴾


الصفحة التالية
Icon