التأويل الثالث : أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه : الأول : أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام، وحكى عنهما أنهما قالا :﴿لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين﴾ أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولداً سوياً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النعمة، ثم قال :﴿فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ فقوله :﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء﴾ ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد، والتقرير : فلما آتاهما صالحاً أجعلا له شركاء فيما آتاهما ؟ ثم قال :﴿فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام، ثم يقال لذلك المنعم : أن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك، فيقول ذلك المنعم : فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا، ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة والبغي ؟ على التبعيد فكذا ههنا.
الوجه الثاني : في الجواب أن نقول : أن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء ولا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله :﴿فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما﴾ فنقول : التقدير، فلما آتاهما ولداً صالحاً سوياً جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذا فيما آتاهما، أي فيما آتى أولادهما ونظيره قوله :﴿واسئل القرية﴾ [ يوسف : ٨٢ ] أي واسأل أهل القرية.
فإن قيل : فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله :﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء ﴾.


الصفحة التالية
Icon