قال تعالى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ" خافت وضعفت هيبة لجلال ربهم واستعظاما لعزة سلطانه "وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً" ويقينا وطمأنينة تفيد هذه الآية أن الإيمان يزيد وينقص وهو ما اعتمدته قبلا وذكرت أن الخلاف فيه بين الأشاعرة والماتريدية لفظي، لأن الإيمان من حيث هو إيمان لا يزيد ولا ينقص، ومن حيث الأعمال فلا شك أنه يقبل الزيادة ويتعرض للنقصان، لأن ذا الأعمال الصالحة أكمل إيمانا من غيره، فإذا كان الإيمان تصديقا بالقلب وإقرارا باللسان واعتقادا بالجنان فمن هذه الحيثية لا يزيد ولا ينقص، وإذا كان مع ذلك عملا بالأركان وفعلا بالجوارح فإنه يزيد وينقص حتما، وإذا قبل الزيادة فإنه يقبل النقص، فلا وجه لقول من يقول إنه يقبل الزيادة فقط.
ولهذا أجاز الشافعي للرجل أن يقول : أنا مؤمن إن شاء اللّه، وأوجب أبو حنيفة أن يقول : أنا مؤمن حقا وأن من وصل الاستثناء في هذه الجملة فهو مشرك في إيمانه، وقدمنا في الآية ٥ من سورة البقرة المارة ما يتعلق في هذا البحث بصورة واضحة، وله صلة في الآية ١٢٥ من سورة التوبة الآتية فراجعها.
ثم زاد في وصف أولئك المؤمنين فقال "وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" (٢) في أمورهم فلا يخشون ولا يرهبون غيره، ولا يعتمدون إلا عليه.
هذا، ولما كان الخوف والرجاء والخضوع والخشية عند ذكر اللّه تعالى وزيادة الإيمان واليقين عند تلاوة القرآن والتوكل على اللّه والتفويض إليه عند العزم على الأعمال والأفعال، وهذه كلها من أعمال القلوب، وهي من كنوز البر التي عدها الإمام الشافعي رحمه اللّه في قوله :
يا من تعزز بالدنيا وزينتها والدهر يأتي على المبنيّ والباني
ومن يكن عزّه الدنيا وزينتها فعزّه عن قليل زائل فاني
واعلم بأن كنوز الأرض من ذهب فاجعل كنوزك من برّ وإحسان


الصفحة التالية
Icon