الحكم الثالث والرابع
أن قوله :﴿وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ المراد من المغفرة أن يتجاوز الله عن سيئاتهم ومن الرزق الكريم نعيم الجنة.
قال المتكلمون : أما كونه رزقاً كريماً فهو إشارة إلى كون تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالأكرام والتعظيم، ومجموع ذلك هو حد الثواب.
وقال العارفون : المراد من المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله، ومن الرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفة الله ومحبته.
قال الواحدي : قال أهل اللغة : الكريم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن، والكريم المحمود فيما يحتاج إليه، والله تعالى موصوف بأنه كريم والقرآن موصوف بأنه كريم.
قال تعالى :﴿إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [ النمل : ٢٩ ] وقال :﴿مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [ الشعراء : ٧ لقمان : ١٠ ] وقال :﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ [ النساء : ٣١ ] وقال :﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ [ الإسراء : ٢٣ ] فالرزق الكريم هو الشريف الفاضل الحسن.
وقال هشام بن عروة : يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش، وأقول يجب ههنا أن نبين أن اللذات الروحانية أكمل من اللذات الجسمانية، وقد ذكرنا هذا المعنى في هذا الكتاب في مواضع كثيرة وعند هذا يظهر أن الرزق الكريم هو اللذات الروحانية وهي معرفة الله ومحبته والاستغراق في عبوديته.
فإن قال قائل : ظاهر الآية يدل على أن الموصوف بالأمور الخمسة محكوم عليه بالنجاة من العقاب وبالفوز بالثواب، وذلك يقتضي أن لا تكليف على العبد فيما سوى هذه الخمسة وذلك باطل بإجماع المسلمين، لأنه لا بد من الصوم والحج وأداء سائر الواجبات.


الصفحة التالية
Icon