لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون} [ الحجر : ٣٣ ] فلما كان اتباع الهوى أصلاً في الضلال وتنكب الصراط المستقيم، أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء، والتسليم فيما لهم به تعلق وغن لم يكن هوى مجرداً لكنه مظنة تيسير لاتباع الهوى، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله، يحكم فيها ما يشاء ﴿فاتقوا الله﴾ واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ برفع التنازع، وسلموا لله ولرسوله، وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة، وبيانه في قوله ﴿إنما المؤمنون﴾ - الآيات، ووجه آخر وهو أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصاً بالتقوى وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ [ البقرة : ١٠٤ ] ولما كان قصصهم مفتتحاً بذكر تفضيلهم ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ افتتح خطاب هذه الأمة بما يشعر بتفضليهم، وتأمل ما بين ﴿يا بني إسرائيل﴾ و ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ وأمر أولئك بالإيمان ﴿وآمنوا بما أنزلت﴾ [ البقرة : ٤١ ] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل ﴿وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ [ البقرة : ١٠٤ ] ثم أعقبت البقرة بآل عمران وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذي من جهته أتى على بني إسرائيل في كثير من مرتكباتهم، ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيها، أعقبت بقوله تعالى ؛ ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ [ آل عمران : ١٠٠ ] ثم أعقبت السورة بقوله ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ [ النساء : ١ ] وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة، وذلك أن سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار {هؤلاء أهدى من الذين آمنوا