أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال :﴿وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله﴾ ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع : الأول : قوله :﴿إِذ يُغَشّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مّنْهُ﴾ أي من قبل الله، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوهاً : أحدها : أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن.
وثانيها : أنهم خافوا من جهات كثيرة.
أحدها : قلة المسلمين وكثرة الكفار.
وثانيها : الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين.
وثالثها : العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر.
والوجه الثالث : في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم، أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاساً يحصل لهم زوال الأعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه.
والوجه الرابع : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة.
فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز.
فإن قيل : فإن كان الأمر كما ذكرتم فلو خافوا بعد ذلك النعاس ؟
قلنا : لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفراً منصوراً وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين.
فإن قيل : إذا قرىء ﴿يُغَشّيكُمُ﴾ بالتخفيف والتشديد ونصب ﴿النعاس﴾ فالمضير لله عز وجل ﴿وأمنة﴾ مفعول له.
أما إذا قرىء ﴿يُغَشّيكُمُ النعاس﴾ فكيف يمكن جعل قوله :﴿ءامِنَةً﴾ مفعولاً له، مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل ؟


الصفحة التالية
Icon