وقال الماوردى :
قوله عز وجل :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً ﴾
والزحف : الدنو قليلاً قليلاً.
﴿ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ ﴾ يعني بالهزيمة منهم والانصراف عنهم. وفيه قولان :
أحدهما : أن هذا على العموم في تحريم الهزيمة بعد لقاء العدو.
والثاني : مخصوص وهو أن الله تعالى أوجب في أول الإِسلام على كل رجل من المسلمين أن يقف بإزاء عشرة من المشركين لا يحل له بعد اللقاء أن ينهزم عنهم وذلك بقوله :﴿ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةُ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِنَ الَّذينَ كَفرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ [ الأنفال : ٦٥ ] وفيه وجهان :
أحدهما : لا يعلمون ما فرضه الله تعالى عليه من الإسلام.
الثاني : لا يعلمون ما فرضه الله تعالى عليهم من القتال.
ثم نسخ ذلك عنهم بعد كثرتهم واشتداد شوكتهم فأوجب الله تعالى على كل رجل لاقى المشركين محارباً أن يقف بإزاء رجلين بعد أن كان عليه أن يقف بإزاء عشرة تخفيفاً ورخصة وذلك قوله تعالى :﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضَعْفاً ﴾.
قرىء بضم الضاد وفتحها، وفي اختلاف القراءتين وجهان :
أحدهما : أنهما لغتان ومعناهما واحد، قاله الفراء.
والثاني : معناهما مختلف.
وفي اختلافهما وجهان :
أحدهما : أنها بالفتح : الضعف في الأموال، وبالضم : الضعف في الأحوال.
الثاني : أنها بالفتح : الضعف في النيات، وبالضم : الضعف في الأبدان. وقيل بعكس الوجهين في الوجهين.
ثم قال :﴿ فَإِن يَكُن مِّنكم مَّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مَائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ ألْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَينِ بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما : مع الصابرين على القتال في معونتهم على أعدائهم.