فصل


قال الفخر :
﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
اعلم أنه تعالى كما حذر الإنسان أن يحال بينه وبين قلبه، فكذلك حذره من الفتن، والمعنى : واحذروا فتنة إن نزلت بكم لم تقتصر على الظالمين خاصة بل تتعدى إليكم جميعاً وتصل إلى الصالح والطالح.
عن الحسن : نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وهو يوم الجمل خاصة.
قال الزبير : نزلت فينا وقرأناها زماناً وما ظننا أنا أهلها فإذا نحن المعنيون بها، وعن السدي : نزلت في أهل بدر اقتتلوا يوم الجمل، وروي أن الزبير كان يسامر النبي ﷺ يوماً إذ أقبل علي رضي الله عنه، فضحك إليه الزبير فقال رسول الله :"كيف حبك لعلي، فقال يارسول الله أحبه كحبي لولدي أو أشد فقال :"كيف أنت إذا سرت إليه تقاتله".
فإن قيل : كيف جاز دخول النون المؤكدة في جواب الأمر ؟
قلنا : فيه وجهان : الأول : أن جواب الأمر جاء بلفظ النهي، ومتى كان كذلك حسن إدخال النون المؤكدة في ذلك النهي، كقولك انزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك، وكقوله تعالى :﴿نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سليمان وَجُنُودُهُ﴾ [ النمل : ١٨ ] الثاني : أن التقدير : واتقوا فتنة تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، إلا أنه جيء بصيغة النهي مبالغة في نفي اختصاص الفتنة بالظالمين كأن الفتنة نهيت عن ذلك الاختصاص.
وقيل لها لا تصيبي الذين ظلموا خاصة، والمراد منه : المبالغة في عدم الاختصاص على سبيل الاستعارة.
ثم قال تعالى :﴿واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ والمراد منه : الحث على لزوم الاستقامة خوفاً من عقاب الله.
فإن قيل : حاصل الكلام في الآية أنه تعالى يخوفهم من عذاب لو نزل لعم المذنب وغيره، وكيف يليق برحمة الرحيم الحكيم أن يوصل الفتنة والعذاب إلى من لم يذنب ؟


الصفحة التالية
Icon