والثاني : أن يكون قوله :﴿بَطَراً وَرِئَاء﴾ بمنزلة يبطرون ويراؤن، وأقول : إن شيئاً من هذه الوجوه لا يشفي الغليل، لأنه تارة يقيم الفعل مقام الاسم وأخرى يقيم الاسم مقام الفعل، ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر، وعن الثالث بالفعل.
وأقول : إن الشيخ عبد القاهر الجرجاني، ذكر أن الاسم يدل على التمكين والاستمرار والفعل على التجدد والحدوث، قال ومثاله في الاسم قوله تعالى :﴿وَكَلْبُهُمْ باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد﴾ [ الكهف : ١٨ ] وذلك يقتضي كون تلك الحالة ثابتة راسخة، ومثال الفعل قوله تعالى :﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض﴾ [ يونس : ٣١ ] وذلك يدل على أنه تعالى يوصل الرزق إليهم ساعة فساعة، هذا ما ذكره الشيخ عبد القاهر.
إذا عرفت هذا فنقول : إن أبا جهل ورهطه وشيعته كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب، وأما صدهم عن سبيل الله فإنما حصل في الزمان الذي ادعى محمد عليه الصلاة والسلام النبوة.
ولهذا السبب ذكر البطر والرئاء بصيغة الاسم، وذكر الصد عن سبيل الله بصيغة الفعل والله أعلم.
وحاصل الكلام : أنه تعالى أمرهم عند لقاء العدو بالثبات والاشتغال بذكر الله، ومنعهم من أن يكون الحامل لهم على ذلك الثبات ؛ البطر والرئاء، بل أوجب عليهم أن يكون الحامل لهم عليه طلب عبودية الله.


الصفحة التالية
Icon