فصل
قال الفخر :
ثم قال تعالى مؤكداً لذلك :﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ في سائر ما يأمر به، لأن الجهاد لا ينفع إلا مع التمسك بسائر الطاعات.
ثم قال :﴿وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
بين تعالى أن النزاع يوجب أمرين : أحدهما : أنه يوجب حصول الفشل والضعف.
والثاني : قوله :﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وفيه قولان : الأول : المراد بالريح الدولة، شبهت الدولة وقت نفاذها وتمشية أمرها بالريح وهبوبها.
يقال : هبت رياح فلان، إذا دانت له الدولة ونفد أمره.
الثاني : أنه لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله، وفي الحديث " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " والقول الأول أقوى، لأنه تعالى جعل تنازعهم مؤثراً في ذهاب الريح، ومعلوم أن اختلافهم لا يؤثر في هبوب الصبا.
قال مجاهد :﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي نصرتكم، وذهبت ريح أصحاب محمد حين تنازعوا يوم أحد.
المسألة الثانية :
احتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : القول بالقياس يفضي إلى المنازعة، والمنازعة محرمة، فهذه الآية توجب أن يكون العمل بالقياس حراماً، بيان الملازمة المشاهدة، فإنا نرى أن الدنيا صارت مملوءة من الاختلافات بسبب القياسات، وبيان أن المنازعة محرمة.
قوله :﴿وَلاَ تنازعوا﴾ وأيضاً القائلون بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس تمسكوا بهذه الآية.
وقالوا : قوله تعالى :﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ صريح في وجوب طاعة الله ورسوله في كل ما نص عليه، ثم أتبعه بأن قال :﴿وَلاَ تنازعوا فَتَفْشَلُواْ﴾ ومعلوم أن من تمسك بالقياس المخصص بالنص فقد ترك طاعة الله وطاعة رسوله.
وتمسك بالقياس الذي يوجب التنازع والفشل، وكل ذلك حرام، ومثبتو القياس أجابوا عن الأول ؛ بأنه ليس كل قياس يوجب المنازعة.
ثم قال تعالى :﴿واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ والمقصود أن كمال أمر الجهاد مبني على الصبر، فأمرهم بالصبر.
كما قال في آية أخرى :﴿اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [ آل عمران : ٢٠٠ ] وبين أنه تعالى مع الصابرين، ولا شبهة أن المراد بهذه المعية النصرة والمعونة. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ١٥ صـ ١٣٧ ـ ١٣٨﴾